الذكاء الاصطناعي.. عندما تصبح التكنولوجيا جسراً لتمكين ذوي الهمم لا بديلاً عنهم
تقرير/ د. السيد فتوح السيد حميدة
استاذ التربية الخاصة المساعد
كلية التربية جامعة العاصمة
في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم للاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والصناعة والتعليم، يبرز مجال آخر لا يقل أهمية، وهو توظيف هذه التقنيات لخدمة ذوي الهمم. فبعد أن كانت الإعاقة تمثل عائقًا أمام التعليم أو العمل أو التنقل، أصبح الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا جديدة للاستقلالية والاندماج والمشاركة المجتمعية، حتى وصفته منظمة الأمم المتحدة بأنه أحد أهم الأدوات الداعمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة ومبدأ "عدم ترك أحد خلف الركب".
ولم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي مجرد رؤية مستقبلية، بل أصبح واقعًا ملموسًا في حياة الملايين. فاليوم يستطيع الشخص الكفيف استخدام هاتفه الذكي للتعرف على الأشخاص وقراءة الكتب والمستندات ووصف البيئة المحيطة به بدقة، بينما يمكن للشخص الأصم متابعة المحاضرات والاجتماعات من خلال تطبيقات تحول الكلام إلى نصوص لحظية، كما أصبح الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد يستفيدون من برامج تعليمية ذكية تتكيف مع مستوى كل طفل وسرعة تعلمه.
ويؤكد تقرير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في توفير تعليم أكثر شمولًا وعدالة إذا استُخدم بطريقة مسؤولة، مع مراعاة حقوق الإنسان وإمكانية الوصول لجميع الفئات، خاصة ذوي الإعاقة. وتشدد المنظمة على أن التكنولوجيا يجب أن تُصمم منذ البداية وفق مبادئ التصميم الشامل حتى لا تتحول إلى مصدر جديد للتمييز أو الإقصاء.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، أصبحت تطبيقات مثل Seeing AI نموذجًا عالميًا في دعم المكفوفين، حيث يستطيع التطبيق التعرف على الأشخاص، وقراءة العملات، ووصف الصور، وقراءة النصوص المطبوعة، والإعلان عن المنتجات داخل المتاجر. وتشير تقارير شركة مايكروسوفت إلى أن هذه التطبيقات ساعدت آلاف المستخدمين على الاعتماد بصورة أكبر على أنفسهم في ممارسة أنشطتهم اليومية.
أما في المملكة المتحدة، فقد توسعت الجامعات والمؤسسات الحكومية في استخدام تقنيات الترجمة الفورية وتحويل الكلام إلى نصوص مباشرة، الأمر الذي أتاح للطلاب ذوي الإعاقة السمعية متابعة المحاضرات والمناقشات الأكاديمية دون الحاجة إلى انتظار مترجم أو نسخ مكتوبة بعد انتهاء المحاضرة. وتؤكد مؤسسات التعليم البريطانية أن هذه التطبيقات رفعت من معدلات مشاركة الطلاب داخل الفصول الدراسية.
وفي اليابان، التي تُعد من أكثر الدول تقدمًا في مجال الروبوتات، يجري استخدام روبوتات ذكية لمساعدة كبار السن وذوي الإعاقات الحركية في المستشفيات ودور الرعاية. كما تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل حركة المرضى أثناء جلسات العلاج الطبيعي وتقديم تغذية راجعة فورية تساعد الأطباء على تحسين برامج التأهيل.
ولم تغب الدول العربية عن هذا التوجه؛ إذ تبنت دولة الإمارات العربية المتحدة العديد من المبادرات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتطوير الخدمات المقدمة لأصحاب الهمم، سواء في المؤسسات الحكومية أو المدارس أو وسائل النقل، ضمن رؤية تستهدف جعل الخدمات الرقمية أكثر سهولة وإتاحة لجميع أفراد المجتمع.
ويرى خبراء التربية الخاصة أن المستقبل لن يكون في استبدال المعلم أو الأخصائي بالتكنولوجيا، وإنما في بناء شراكة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. ويقول البروفيسور مايكل وولدرج (Michael Wooldridge)، أحد أبرز الباحثين في الذكاء الاصطناعي بجامعة أكسفورد: "القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تكمن في تعزيز القدرات البشرية، وليس استبدال الإنسان." ويعكس هذا التوجه أهمية استخدام الذكاء الاصطناعي كوسيلة لتمكين ذوي الهمم من تحقيق أقصى إمكاناتهم.
كما يؤكد البروفيسور ستيوارت راسل (Stuart Russell)، أستاذ علوم الحاسب بجامعة كاليفورنيا – بيركلي، أن تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي يجب أن يضع احتياجات الإنسان في المقام الأول، وأن تُبنى هذه الأنظمة على مبادئ الأمان والشفافية والعدالة، حتى تكون التكنولوجيا عاملًا للتمكين لا للإقصاء.
ورغم هذه النجاحات، لا تزال هناك تحديات عديدة، من أبرزها ارتفاع تكلفة بعض التقنيات، والحاجة إلى تدريب المستخدمين وأسرهم، ونقص التطبيقات الداعمة للغة العربية، إضافة إلى أهمية وضع تشريعات تضمن حماية خصوصية البيانات ومنع أي استخدام قد يؤدي إلى التمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة.
وفي مصر، تمثل هذه التقنيات فرصة كبيرة لدعم جهود الدولة في دمج ذوي الهمم في التعليم وسوق العمل، خاصة مع التوسع في التحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية الإلكترونية. ويمكن للجامعات ومراكز البحوث والشركات الناشئة أن تلعب دورًا محوريًا في تطوير تطبيقات عربية تراعي الخصائص الثقافية واللغوية للمجتمع المصري، بما يحقق الاستفادة القصوى من الثورة الرقمية.
وفي النهاية، لم يعد السؤال: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخدم ذوي الهمم؟ بل أصبح: كيف يمكن توظيفه بصورة عادلة وآمنة تضمن لهم حياة أكثر استقلالًا وكرامة؟ فكل تجربة ناجحة في هذا المجال تؤكد أن التكنولوجيا تصبح أكثر قيمة عندما تُسهم في إزالة الحواجز أمام الإنسان، وتمنحه الفرصة ليكون عضوًا فاعلًا ومنتجًا في مجتمعه.
مراجع واستشهادات
UNESCO. (2021). Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence.
UNESCO. (2023). Guidance for Generative AI in Education and Research.
World Health Organization (WHO). (2022). Global Report on Health Equity for Persons with Disabilities.
United Nations. (Convention on the Rights of Persons with Disabilities - CRPD).
Microsoft. Seeing AI Project Documentation.
Russell, S., & Norvig, P. (2021). Artificial Intelligence: A Modern Approach (4th ed.).
Wooldridge, M. (2020). The Road to Conscious Machines: The Story of AI.
OECD. (2024). Artificial Intelligence and Inclusive Society.


تعليقات
إرسال تعليق