لقد أتعبتَ نفسك… وهل يتعب من جعل نفسه سبيلًا للخير؟
بقلم الإعلامي الدكتور أحمد شندي
ليس كل تعبٍ مذمومًا، فهناك تعبٌ يرفع صاحبه عند الله، ويُخلِّد أثره في قلوب الناس. ومن أشرف أنواع التعب أن يحمل الإنسان همَّ غيره، وأن يجعل من وقته وجهده وعلاقاته جسرًا يعبر عليه المحتاجون إلى برِّ الأمان.
في عالمٍ تتسارع فيه الحياة، حتى كاد كل امرئٍ يقول: “نفسي… نفسي”، تبقى فئةٌ اختصها الله برقة القلب، فلا تستريح إذا علمت أن هناك جائعًا لم يجد قوت يومه، أو مريضًا ضاق به الألم، أو أرملةً أثقلتها الحياة، أو طالب علمٍ كاد الفقر أن يحول بينه وبين حلمه. هؤلاء لا يكتفون بالتأثر، بل يحولون مشاعرهم إلى عمل، ودعاءهم إلى سعي، ورحمتهم إلى مواقف لا ينتظرون عليها ثناءً من أحد.
وكثيرًا ما يسمعون من يقول لهم: “لقد أتعبت نفسك… دع الأمر لله، فالله أرحم بعباده منك.”
وكأن الساعي في الخير ينازع ربَّه في رحمته، أو يشك في عدله! والحقيقة أن المؤمن يعلم يقينًا أن الله هو أرحم الراحمين، لكنه يعلم أيضًا أن الله جعل للرحمة أبوابًا، وللفرج أسبابًا، واختار من عباده من يكونون مفاتيح لها.
فكم من محتاجٍ ساق الله إليه رزقه على يد إنسان، وكم من مريضٍ كتب الله له الشفاء بسبب من تكفَّل بعلاجه، وكم من مكروبٍ انفرجت كربته لأن أحدهم لم يقل: “ليس شأني”، بل قال: “لعل الله يجعلني سببًا.”
إن السعي في قضاء حوائج الناس ليس منَّةً على أحد، بل هو نعمةٌ يمنُّ الله بها على من وفقه إليها. فليس كل إنسانٍ يُفتح له هذا الباب، وليس كل قلبٍ يطيق أن يحمل هموم الآخرين. إنها منزلةٌ يهبها الله لمن أحب، فيجعلهم أهلًا للثقة، وأوعيةً للرحمة، ورسلاً للخير بين عباده.
وقد يتعرض أصحاب هذه الرسالة لسوء الفهم، فيُتهمون بالمبالغة، أو يُلامون لكثرة طلبهم العون للمحتاجين، وربما أُغلقت في وجوههم أبواب، وقوبلت مساعيهم بالاعتذار أو التجاهل. ومع ذلك لا يتوقفون؛ لأنهم يدركون أن الخير لا يقاس بعدد المستجيبين، وإنما بصدق النية والإخلاص في السعي.
إن أعظم الخسارة ليست أن تردَّ محتاجًا لعجزك، وإنما أن تراه قادرًا على مساعدته ثم تدير له ظهرك. وما أجمل أن يقف الإنسان يوم القيامة وقد امتلأت صحيفته بأعمالٍ لم يكن يظنها عظيمة؛ دعوةٌ خرجت من قلب أم، أو دمعةُ فرحٍ في عين يتيم، أو ابتسامةُ مريضٍ وجد من يأخذ بيده.
فلا تقل لمن يسعى بين الناس: “لقد أتعبت نفسك.” بل قل: “هنيئًا لك هذا التعب، فإن الأقدام التي تمشي في قضاء حوائج الخلق، هي أقدامٌ تسير إلى مرضاة الخالق.”
ولعل أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس مالًا ولا جاهًا، وإنما أثرًا طيبًا يرويه الناس، ودعواتٍ صادقةً لا تنقطع، وقلوبًا تذكره بالخير كلما مرت عليها نعمةٌ كان سببًا فيها.
إذا فتح الله لك بابًا تخدم منه الناس، فلا تظنن أنه حملٌ أثقل به كاهلك، بل هو تشريفٌ أراد الله أن يرفعك به. فكم من إنسانٍ عاش طويلًا ولم يترك أثرًا، وكم من آخر عاش للناس، فبقي حيًّا في دعواتهم بعد أن غاب عن الدنيا.
ليس كل الناس يُرزقون المال، ولا كلهم يُرزقون المنصب، أما أعظم الأرزاق فهو أن يجعلك الله سببًا في تفريج كربة، أو جبر خاطر، أو إدخال سرورٍ على قلبٍ أنهكه الألم. فمن كان مفتاحًا للخير في الدنيا، رجا أن يفتح الله له أبواب رحمته يوم يلقاه.

تعليقات
إرسال تعليق