ألحانٌ تشبهنا.. حين يُعانق الماضي صَبابة المستقبل في ليل الأوبرا
كتبت /منى منصور السيد
ثمة ليالٍ لا تُمرّ كعابر سبيل في ذاكرة المدن، بل تحفر مجراها عميقاً في الوجدان؛ ليلةٌ تضوعت بنشوة النغم واكتملت فيها حكاية عشقٍ مصرية خالية من التكلف، أطلقتها دار الأوبرا المصرية في ثاني أيّام مهرجانها الصيفي لعام 2026. لم تكن المسألة مجرّد جدول حفلات أُعدّ برعاية رسمية وتنظيم دقيق، بل كانت حالة استثنائية من النبض الإنساني المتدفّق، انقسم فيها الفرح أخوّياً بين قلبي مصر النابضين: القاهرة بمسرحها المكشوف، والإسكندرية بعراقة مسرح سيد درويش، ليغدو الفن خيطاً حريرياً يربط الأمس باليوم، ويصل أمجاد الآباء بأحلام الأبناء.
تحت الراية الخفّاقة وعلى المسرح المكشوف بالقاهرة، تعانق الشغف بروح الذكرى؛ حفلٌ يضج بالحياة احتفاءً بثورة يوليو العظيمة، أحيته أصوات طرية غضة تنبض بالأمل من أطفال وشباب مركز تنمية المواهب. لم يكن الوقوف على الخشبة بالنسبة لأولئك الصغار، الذين درّبهم وقادهم الدكتور محمد عبد الستار، مجرد أداء غنائي، بل كان اندفاعة طفولية صادقة نحو ترسيخ المعنى الحقيقي للانتماء. حين علت حنجراتهم بأغنيات مثل "دقت ساعة العمل"، و"بحبك يا مصر"، و"الوطن الأكبر"، و"بوابة الحلواني"، سادت الحضور قشعريرة دافئة؛ إذ رأى الآباء في عيون أبنائهم الصغار إشراقة الغد، وكأن الفن يسلم المشعل بسلاسة من يدٍ إلى يد، مجسداً أسمى صور التواصل البشري. وما زاد هذا المشهد ثراءً روحياً، ذلك الامتزاج الجمالي مع الشاشات التي حكت بصرياً شواهد من تاريخ الوطن ومعالمه، بلمسات تقنية متقنة منحها فريق العمل روحاً حية تجاوزت جمود التقنية إلى دفء الصورة.
وفي الحين ذاته، وعلى بُعد رشة بحر من شاطئ الإسكندرية، كان الفنان علي الحجار يقود جمهوره في مسرح سيد درويش نحو سفرٍ وجداني شفيف. لم يغنِّ الحجار ليلتها بل كان يستحضر الذكريات المدفونة في ثنايا القلوب، وينبش عن المبادئ النبيلة التي تربى عليها الوجدان العربي. كأنما خُلق صوته ليشكل مظلة دافئة تتسع لآلام الحاضر وأشواق الماضي؛ تتساقط ألحانه مثل "المال والبنون"، و"في قلب الليل"، و"عارفة"، و"الليل وآخره" كقطرات مطر على أرض عطشى، فيتردد صداها في الممرات وعلى وجوه الحاضرين الذين امتلأت أعينهم ببريق الحنين. كان الحفل حواراً روحياً بين مطرب يسكب روحاً في كلماته، وجمهور يرى في تلك الكلمات جزءاً لا يتجزأ من سيرة حياته وأيامه الجميلة.
إن المهرجانات الفنية لا تُقاس بمدى إتقان تنصيب مسارحها ولا بحجم الإضاءة المنسكبة عليها، بل بتلك اللحظة الإنسانية الخالصة التي يخرج فيها المستمع وهو يشعر بأنه أكثر طمأنينة وأشد تمسكاً بالحياة. وهذا بالتحديد ما أثبتته دار الأوبرا وهي تفتتح صيفها؛ إنها لا تقدم عروضاً غنائية فحسب، بل تبني جسوراً من الوعي والدفء الإنساني، وتصوغ حكاية وطنٍ يستمد قوته من أصالة ماضيه، ويستشرف مستقبله بأصوات واعدة تغني للحب والحرية والجمال.

تعليقات
إرسال تعليق