بين نيران الخلجان وصخرة الكنانة.. الوعي سلاحنا في زمن العواصف


تقرير من إعداد /منى منصور السيد 

تتدفق الأحداث في منطقتنا العربية كأنها طوفان متلاطم، وترسم الخريطة الإقليمية اليوم مشهدًا بالغ الدقة والحساسية؛ حيث تتصاعد أعمدة الدخان بالقرب من الممرات الملاحية الاستراتيجية في باب المندب ومضيق هرمز. وفي خضم هذه العاصفة التي تعصف بشرقنا الأوسط، يطل علينا معالي اللواء سامي دنيا بقراءة استراتيجية وإنسانية عميقة، يضع فيها – وعلى مسؤوليته الشخصية – بوصلة الحقيقة في يد المواطن، محذرًا من صراع لا يكتفي بحدود السلاح، بل يمتد لينهش في العقول والضمائر عبر الشائعات والحرب النفسية.

إن المتأمل لمعادلات هذا الصراع يدرك يقينًا أن القوى الدولية والإقليمية التي تبدو اليوم أكثر صراخًا وسعيًا إلى التهدئة، هي ذاتها التي تتجرع مرارة الخسائر الاقتصادية الفادحة؛ فأوروبا التي ينهكها غلاء الطاقة وتداعي الأسواق تهرول نحو الدبلوماسية لإحياء قنوات التفاوض بين واشنطن وتكساس وإيران، بينما تطرح الصين مبادراتها الملحة لتأمين حركة التجارة الشريانية، وتتحرك المملكة العربية السعودية بخطى متزنة للحفاظ على استقرار مسارات النفط عبر الخليج والبحر الأحمر. وفي قلب كل هذا المعترك، تقف مصر على أرض صلبة؛ متمسكة بثوابتها التاريخية ورافضة الانزلاق إلى مستنقع صراعات الآخرين، انطلاقًا من قاعدة إستراتيجية أخلاقية وصارمة: إن من أوقد نيران الحرب وأنفق المليارات على استعارها هو الأجدر وحده بتحمل فاتورة إخمادها ولملمة آثارها، بينما تظل الأولوية المصرية حماية المصالح الوطنية العليا وتجنب ويلات الانسياق خلف المغامرات.

ولأن الحروب الحديثة لا تكتفي بمسارح القتال، بل تمتد إلى الجبهات الداخلية، فقد كشفت القراءة الاستراتيجية للواء سامي دنيا عن وجه آخر من وجوه الاستهداف؛ فبينما كانت قناة السويس تتحمل ضريبة اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وتراجع الإيرادات، كانت مصر في الوقت نفسه تجسد واحة الاستقرار والسكينة بالمنطقة، مما جعلها وجهة استثمارية وسياحية متألقة. لكن هذا النجاح استنفر مطابخ الشائعات، فاندلعت حملات ممنهجة ومكثفة على منصات التواصل الاجتماعي تستهدف ضرب المقصد السياحي المصري والمشروعات القومية، ولا سيما الهوجة التي أُثيرت مؤخرًا حول منطقة "مراسي" والقرى السياحية. لقد اعتمدت تلك الحملات المغرضة على دغدغة المشاعر، واستخدام شعارات براقة، وأرقام مفبركة لا أساس لها من الصحة لإيجاد حالة من الغضب والاستقطاب. غير أن اليقين لا يزول بالشك؛ إذ سارعت وزارة الداخلية بنشر الأدلة والدلائل الرسمية على صفحتها ليفتضح الكذب والبهتان الذي حاولوا خدع الناس به. ومن هنا يتجلى الواجب الوطني في ضرورة التثبت قبل الضغط على "زر الإرسال"، الذي أضحى في زماننا هذا أشد خطورة من إطلاق الرصاص؛ لأن إلحاق الضرر بسمعة الوطن السياحية هو إضرار مباشر بقوت المواطنين وفرص عمل الشباب.

ولم تقف حملات التزييف عند الشؤون الداخلية، بل امتدت لتضرب أوتار القلق الإنساني لدى الأسر المصرية، من خلال ترويج شائعة كاذبة تزعم "هروب الأسرة الحاكمة في الكويت". والسر في اختيار الساحة المصرية لتكون الميدان الأكثر انتشارًا لهذه الشائعة يكمن في بساطة الواقع: إن الجالية المصرية هي الكبرى والأنشط في الكويت الشقيقة. وقد نسجت هذه الأكذوبة عبر غرفة عمليات مزدوجة؛ جزء منها انطلق من دواخل إيرانية لتمارس ضغطًا وترهيبًا على الكويت، وجزء آخر لقفته وأنعشته أيدي أعداء مصر لتزرع الخوف والهلع في قلوب أهالي العاملين بالخليج الذين يعيشون بطبيعة الحال حالة من التوتر على سلامة أبنائهم ومستقبلهم الوظيفي. وهنا يبعث اللواء سامي دنيا برسالة طمأنينة ساطعة كالشمس: لا داعي لأي قلق؛ فملايين المصريين في الخليج وفي كل بقاع الأرض هم دائمًا في عين مصر وفي قلبها.

كما يأخذنا التفكير الاستراتيجي الواعي إلى أفق مستقبلي أكثر اتساعًا وأملًا، مشيرًا إلى أن خريطة سوق العمل العالمي تنتقل بجدارة نحو القارة الأفريقية الشابة. وعلى سبيل المثال، جسّد أكثر من مائة ألف مصري في دولة تنزانيا ملهمة حقيقية بسواعدهم في بناء سد "جوليوس نيريري" والمشاريع الملحقة به على مدار ثماني سنوات، ومن المتوقع أن تنمو هذه الأعداد مع توسع المناطق الصناعية لتصل إلى ربع مليون مصري، بل وإلى نصف مليون بحلول عام 2030. وحين نتحدث عن مشروعات واعدة تتمدد في نحو اثنين وثلاثين دولة أفريقية بمرتبات وفرص تفوق غيرها، إلى جانب الوجود العمالي الضخم والمتعاقد بشكل قانوني في كافة ربوع ليبيا شرقًا وغربًا وجنوبًا، ندرك أن قدرة العقل المصري على الابتكار وإيجاد البدائل كفيلة بفتح أبواب الرزق والكرامة في كل مكان.

وفضلاً عن المعارك الميدانية والاقتصادية، تتجلى قيمة الإعلام المهني الجريء كأداة للرقابة والمساءلة الأخلاقية. ولعل الموقف المثير للجدل الذي شهدته كواليس المؤتمر الصحفي الأخير للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يقدم درسًا بالغ الدلالة؛ فحين وجه صحفي شجاع ومحترف ينتمي لجريدة "نيويورك تايمز" سؤالاً مباشرًا ومحرجًا لترامب حول تصريحاته بضرب محطات الكهرباء في إيران – وهو ما يصنفه العالم المتحضر والقانون الدولي كجريمة حرب تطال حياة المدنيين العزل – ارتبك ترامب ولم يجد جوابًا موضوعيًا، فتهرب من الحقيقة باستهداف الصحفي والطعن في مهنية صحيفته. إن هذا المشهد يثبت أن السؤال الصحفي الجريء هو السلاح الذي يعري الخطاب السياسي عندما يحاول التملص من المسؤولية الأخلاقية تجاه أرواح البشر.

وعلى الجانب الآخر المظلم، حين يسقط الخطاب السياسي والفكري في القاع، تنكشف الحقيقة بلا رتوش. لقد رأينا كيف انحدرت الوسائل التي تلجأ إليها جماعة الإخوان الإرهابية، حين عجزت عن مواجهة الحجة بالحجة والمنطق بالمنطق، فلجأت إلى الاحتفاء بمقاطع فيديو لسيدة مريضة نفسيًا ومأجورة، تطلق لسانا ينضح بالسب والتدني والألفاظ النابية تجاه أشرف مؤسسات الوطن ورموزه. إن استغلال هؤلاء الأدعياء لنموذج هابط يذكرنا بعاهرات السينما القديمة، لا يسيء للوطن في شيء، بل يقدم أسطع دليل على بؤس هذا التنظيم، وفشله الخلاق حتى في أدبيات الخيانة. إن خطاب الشتائم البذيء والابتذال الأخلاقي لا يصنع حقًا ولا يبني مصداقية، بل يسقط أصحابه في مزبلة التاريخ، ولا يمتلك أثرًا سوى تذكير الشعب المصري العظيم بنجاسة البذرة التي نُبتت منها هذه الجماعة، ليزداد الشعب وعيًا وتمسكًا بأرضه وطهارة مسيرته.

ختامًا، تنجلي الحقيقة ساطعة كالشمس: إن الوطن لا يُبنى ولا يُحمى بالانفعال والانسياق وراء الشائعات، بل بالوعي العميق، والتثبت من المصادر الرسمية، والعقلانية التي تميز بين النقد البناء المفيد وبين الهدم المغرض. إن مصر ستظل بيتنا الدافي وقبلة أمننا، واستقرارها هو مسؤوليتنا جميعًا. حفظ الله مصر العظيمة، قيادةً وشعبًا وجيشًا، وحفظ بطلها الزعيم عبد الفتاح السيسي ووفقه لكل خير، وجعل أرض الكنانة دائمًا حصنًا حصينًا للأمان، وسندًا لكل الأشقاء والضعفاء، وحمى شعوب منطقتنا العربية من ويلات الحروب والدمار.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني