الدهابة... بين البحث عن الرزق وحماية الأمن القومي
الكاتب / أحمد مختار
في أعماق الصحراء الشرقية وعلى امتداد الحدود المصرية السودانية، يسير آلاف الشباب حاملين أجهزة كشف المعادن، بحثًا عن حلم اسمه "الذهب". بعضهم يجد ما يغير حياته، بينما يعود معظمهم خالي الوفاض بعد أيام من المشقة. هؤلاء هم "الدهابة"، الذين أصبحوا جزءًا من مشهد يتداخل فيه الأمل في الرزق مع تحديات الأمن القومي.
لا يمكن إنكار أن كثيرًا من الدهابة هم مواطنون دفعتهم الظروف الاقتصادية إلى البحث عن مصدر دخل، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النشاط العشوائي إلى بوابة لتهريب الذهب، والأسلحة، والمخدرات، أو وسيلة لاختراق المناطق الحدودية واستغلالها من قبل شبكات الجريمة المنظمة. وهنا تتحول القضية من مجرد نشاط فردي إلى ملف يمس أمن الدولة وثرواتها الطبيعية.
وتبقى حماية الحدود الجنوبية مسؤولية وطنية لا تقبل التهاون، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات أمنية وصراعات إقليمية. ومن ثم فإن جهود القوات المسلحة وأجهزة الأمن في تأمين الحدود ومكافحة التهريب تمثل خط الدفاع الأول عن الوطن وثرواته.
لكن يبقى السؤال: هل يكفي المنع والمطاردة وحدهما؟
التجارب الدولية تقول إن التنظيم أكثر فاعلية من الفوضى. فعندما شهدت الولايات المتحدة "حمى الذهب" في كاليفورنيا عام 1848، تدفق مئات الآلاف من الباحثين عن الذهب إلى الغرب الأمريكي. ولم تلجأ الدولة إلى المنع الكامل، بل أصدرت عام 1872 قانون General Mining Law الذي نظم التعدين في الأراضي المخصصة لذلك، من خلال إصدار التراخيص، وتسجيل مواقع العمل، وفرض رقابة حكومية وعقوبات على المخالفين.
ولا يعني ذلك نقل التجربة الأمريكية كما هي، فلكل دولة ظروفها الأمنية والقانونية، لكن يمكن الاستفادة من فكرتها الأساسية في وضع منظومة مصرية متكاملة لتنظيم التعدين الأهلي، بما يحقق التوازن بين حق المواطن في العمل وحق الدولة في حماية أمنها القومي.
ويمكن أن تقوم هذه المنظومة على إصدار تراخيص رسمية، وتحديد مناطق يسمح فيها بالبحث عن الذهب بعيدًا عن الحدود العسكرية والمحميات الطبيعية والمناطق الأثرية، مع تسجيل جميع العاملين، واستخدام وسائل التتبع الحديثة، وإلزام المنتجين ببيع الذهب عبر القنوات الرسمية، بما يضمن دخول الثروة إلى الاقتصاد الوطني بدلاً من تسربها إلى السوق السوداء أو خارج البلاد.
كما يجب أن تتضمن المنظومة عقوبات رادعة على التهريب، ومصادرة المعدات المستخدمة في العمل غير المشروع، مع منع استخدام المواد الضارة بالبيئة إلا وفق ضوابط قانونية صارمة.
إن تنظيم التعدين الأهلي لن يحمي الأمن القومي فقط، بل سيحقق فوائد اقتصادية كبيرة، أهمها زيادة احتياطي الذهب، وتعظيم إيرادات الدولة، وخلق فرص عمل جديدة، والحد من الاقتصاد غير الرسمي، وتشجيع الاستثمار في قطاع التعدين، الذي أصبح أحد أهم القطاعات الواعدة في الاقتصاد المصري.
ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن هناك مناطق يجب أن تظل محظورة بالكامل لأسباب عسكرية أو أمنية أو أثرية، ويظل تحديدها حقًا أصيلًا للقوات المسلحة والجهات السيادية المختصة، حفاظًا على سلامة الوطن ومقدراته.
إن مصر تمتلك ثروات معدنية هائلة، لكن القيمة الحقيقية ليست في وجود الذهب تحت الرمال، بل في حسن إدارته واستغلاله بما يخدم التنمية ويحافظ على الأمن القومي. فالتوازن بين التنمية والأمن ليس مستحيلاً، بل هو الطريق الذي سلكته دول كثيرة وحققت من خلاله نجاحًا كبيرًا.
وفي النهاية، ليس كل "الدهابة" مهربين، كما أن حماية الحدود والثروات واجب لا يقبل التهاون. وبين هذين الأمرين يمكن للدولة أن تفتح بابًا جديدًا يقوم على التنظيم، والرقابة، وسيادة القانون، ليصبح ذهب مصر ثروةً تساهم في دعم الاقتصاد الوطني، بدلاً من أن يتحول إلى مصدر استنزاف أو تهديد للأمن القومي.

تسلمي يا دكتورة مني علي النشر
ردحذف