عندما يتحول التفكير إلى عبءٍ على الدماغ


كتبت /حفصة محمود

هل تعلم أن الدماغ لا يفرّق دائمًا بين الخطر الحقيقي والخطر الذي تصنعه أفكارنا؟


فقد يعيش الإنسان ساعاتٍ أو أيامًا وهو يتخيل أسوأ الاحتمالات، فيتعامل جسمه مع تلك الأفكار وكأنها واقع يحدث أمامه. وهنا تبدأ سلسلة من التغيرات البيولوجية التي لفتت انتباه العلماء منذ عقود.


كان عالم الفسيولوجيا الكندي هانز سيليه (Hans Selye) من أوائل من درسوا التأثيرات الجسدية للضغوط النفسية، ووضع مفهوم "متلازمة التكيف العامة"، موضحًا أن التعرض المستمر للضغوط قد يترك آثارًا تمتد إلى أجهزة الجسم المختلفة، وليس إلى الحالة النفسية وحدها.


ثم جاء عالم الأعصاب الأمريكي بروس ماكإيون (Bruce McEwen)، الذي قدّم مفهوم "الحمل التراكمي للضغوط" (Allostatic Load)، موضحًا أن الجسم يستطيع التكيف مع الضغوط لفترات قصيرة، لكن استمرارها لفترات طويلة قد يرهق الدماغ والجهاز العصبي وأجهزة أخرى في الجسم.


وبيّن ماكإيون في أبحاثه أن الدماغ ليس مجرد متلقٍ للضغوط، بل هو العضو الذي يحدد كيفية استجابة الجسم لها. كما أن مناطق مثل الحُصين المسؤول عن الذاكرة، والقشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن التفكير واتخاذ القرار، واللوزة الدماغية المرتبطة بالخوف والانفعالات، قد تتأثر بالتوتر المزمن بطرق قابلة للتغير مع الوقت.


وهنا تتجلى حكمة الإسلام في دعوة الإنسان إلى طمأنينة القلب وعدم الاستسلام للخوف واليأس.


قال الله تعالى:


﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

[الرعد: 28]


فالطمأنينة ليست مجرد شعور جميل، بل هي أسلوب حياة ينعكس على التفكير والسلوك، ويعين الإنسان على مواجهة الشدائد بثبات.


وقال سبحانه:


﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾

[الشرح: 5-6]


وقد أثبتت التجارب الإكلينيكية التي أسس لها الطبيب النفسي الأمريكي آرون بيك (Aaron Beck) أن كثيرًا من معاناة الإنسان ترتبط بطريقة تفسيره للأحداث، وأن تعديل أنماط التفكير غير الواقعية قد يساعد في تحسين أعراض عدد من الاضطرابات النفسية عند تطبيقه بواسطة مختصين.


أما عالم النفس مارتن سليجمان (Martin Seligman)، رائد علم النفس الإيجابي، فقد ميّز بين من يفسر الإخفاق على أنه نهاية الطريق، ومن يراه تجربة يمكن التعلم منها. ويرى أن طريقة تفسير الإنسان للأحداث تؤثر في دافعيته وصموده، وهو ما ساهم في تطوير مفهوم "التفاؤل المتعلم".


ومن جانب آخر، قدم عالم النفس دانيال كانيمان (Daniel Kahneman) تفسيرًا لكيفية وقوع الإنسان في أخطاء التفكير؛ إذ أوضح أن العقل يميل أحيانًا إلى إصدار أحكام سريعة قد تكون متأثرة بالخوف أو الانطباعات الأولى، مما يجعل مراجعة الأفكار ضرورة قبل تحويلها إلى حقائق.


إن المشكلة ليست في أن تراود الإنسان فكرة سلبية، فهذا أمر طبيعي، وإنما في أن يسمح لها بأن تصبح الحقيقة الوحيدة التي يرى بها الحياة.


ولذلك قال النبي ﷺ:


«أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني.»

متفق عليه.


إن حسن الظن بالله ليس مجرد عبادة قلبية، بل هو قوة تدفع الإنسان إلى العمل، والأخذ بالأسباب، وعدم الاستسلام لليأس مهما اشتدت الظروف.


ولهذا، فإن أعظم السجون ليست تلك التي تُغلق أبوابها بالمفاتيح، وإنما السجون التي تُغلق أبواب الأمل داخل الإنسان، حتى وهو يسير بين الناس حرًّا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني