الحرب المعرفية

 

كتبت دكتورة/ رانية يوسف راغب صافي

عناصر المقال:

1- مفهوم الحرب المعرفية.
2- تأثيرات الحرب المعرفية على الأمن القومي.
3- عناصر الحروب المعرفية.
4- مستويات الحروب المعرفية.
5- الآليات المقترحة لمواجهة الحروب المعرفية.

أولًا: مفهوم الحرب المعرفية

تتولى قيادة التحول التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) إدارة مفهوم الحرب المعرفية، من خلال تثقيف قوات الحلف، وتعزيز التعاون المدني العسكري، وتبادل الخبرات بما يخدم الاعتبارات الأمنية الحالية والمستقبلية.

ويُعد العقل البشري الهدف والسلاح في آنٍ واحد في معركة التفوق المعرفي، سواء في الأنشطة العسكرية أو غير العسكرية، إذ ترتكز الحرب المعرفية على مهاجمة العقل واستغلال نقاط الضعف وإضعاف الأنظمة. وقد ظهر ذلك في استخدام وسائل الإعلام الروسية ومنصات التواصل الاجتماعي لنشر الأخبار الكاذبة والتلاعب بالرأي العام في محاولة لتشويه صورة أوكرانيا.

ثانيًا: تأثيرات الحرب المعرفية على الأمن القومي

تتمثل أبرز تأثيرات الحرب المعرفية على الأمن القومي في استهداف البنية التحتية الرقمية، ومحاولات اختراق المؤسسات الحكومية، وسرقة البيانات والمعلومات الحساسة، وتعطيل الخدمات الإلكترونية.

كما تشمل نشر الشائعات والأخبار المضللة، وإثارة الرأي العام، والتأثير على الثقة في مؤسسات الدولة، وتنفيذ حملات الحرب النفسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى التأثيرات الاقتصادية مثل غسل الأموال، وضغوط الشركات متعددة الجنسيات، والجريمة المنظمة، والجرائم الإلكترونية، والاتجار بالبشر، فضلًا عن التأثير في أمن الحدود المصرية.

أما الصين، فترى أن الحرب المعرفية تقوم على استخدام الرأي العام والعمليات النفسية، مستفيدةً من ما يُعرف بعلم النفس القتالي، والذي يعتمد على أساور استشعار ذكية طورتها الصين لتسجيل معلومات الوجه والتغيرات العاطفية والحالات النفسية للجنود، بهدف قياس جاهزيتهم للقتال، وهو ما ينعكس أيضًا على الجوانب القانونية والمدنية.

ثالثًا: عناصر الحروب المعرفية

تنقسم عناصر الحرب المعرفية إلى ثلاثة عناصر رئيسية هي: تحقيق التأثير المعرفي، وعناصر الحرب، واستخدام التكنولوجيا.

وقد ركز مفهوم الحرب المعرفية بصورة واضحة على توظيف التقنيات الثورية والناشئة وتأثيراتها المعرفية، بما يعكس أهمية هذا المفهوم في الحروب الحديثة، حيث تلعب التطورات التكنولوجية دورًا محوريًا في تعزيز القدرة على التأثير، وتفسير أطر التهديدات الهجينة.

رابعًا: مستويات الحروب المعرفية

تنقسم الحرب المعرفية باستخدام الذكاء الاصطناعي إلى ثلاثة مستويات:

أولًا: المستوى البيولوجي (القدرة على التلاعب):
يستهدف الجهاز العصبي مباشرة باعتباره الركيزة الأساسية للفكر والعاطفة والسلوك، بهدف خلق الانقسام وإشاعة الفتنة.

ثانيًا: المستوى النفسي:
يركز على التأثير في العواطف وأنماط التفكير التي تسهم في تشكيل المواقف والمعتقدات والأحكام الفردية والجماعية. ويمكن للذكاء الاصطناعي عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام العام تصميم رسائل تتناسب مع نقاط الضعف الفردية والجماعية.

ثالثًا: المستوى الاجتماعي (التلاعب بالتماسك):
يستهدف الروايات المشتركة، والمعتقدات، والشرعية المؤسسية، والآراء، والقيم، والأنشطة العامة، ويسعى إلى تفتيت التماسك المجتمعي، واستغلال الهوية كسلاح، وخلق فوضى معرفية. ويؤكد حلف الناتو أن الجبهة المعرفية ليست عسكرية فقط، بل مجتمعية أيضًا، وهو ما يمنحها أهمية استراتيجية بالغة.

خامسًا: الآليات المقترحة لمواجهة الحروب المعرفية

هناك العديد من الأطر العامة للمواجهة، استنادًا إلى التجارب الدولية، من أبرزها:

الطريقة الأولى: الردع بالإنكار، وذلك من خلال منع الجهات المعادية من إنتاج ونشر المعلومات المضللة.

الطريقة الثانية: الحد من انتشار المعلومات المضللة عن طريق إزالة المحتوى أو تقليل ظهوره في نتائج البحث.

الطريقة الثالثة: منع المحتوى المضلل من الظهور بشكل استباقي، من خلال تحصين الجمهور المستهدف ضد المعلومات غير الصحيحة، أو كشف المعلومات المضللة باعتبارها أساليب خداع، مع اعتماد إجراءات مختلفة لمواجهة مراحل دورة حياة المعلومات المضللة.

كما تشمل وسائل مواجهة الحروب الهجينة:

أولًا: رصد الهجمات الهجينة وردعها:
من خلال رفع مستوى وعي المواطنين بأساليب الحروب الهجينة، والتفاعل مع وسائل الإعلام والخبراء الأمنيين والأكاديميين، وتعريف المواطنين بطبيعة التهديدات، والاحتواء المبكر لحالات الغضب الشعبي، ومنع استغلال المواطنين كدروع بشرية لحماية العناصر العدائية.

ثانيًا: حملات الكشف والتوعية:
وتتطلب فهمًا عميقًا لكيفية عمل حملات التضليل، والجهات التي تقف وراءها، وأهدافها، مع تحديد وتحليل الفاعلين والآليات المستخدمة طوال دورة حياة المعلومات المضللة.

ومن جهود جمهورية مصر العربية في مواجهة هذه الحروب والتهديدات:

  • تطوير قدرات القوات المسلحة وأجهزة الشرطة.
  • تعزيز منظومة الأمن السيبراني.
  • تأمين الحدود باستخدام التكنولوجيا الحديثة.
  • تحديث التشريعات الخاصة بمكافحة الإرهاب وغسل الأموال.
  • التعاون الاستخباراتي مع الدول والمنظمات الدولية.
  • تنفيذ برامج مكافحة التطرف ونشر الوعي.
  • دعم التحول الرقمي مع تعزيز أمن المعلومات.

الخاتمة

يتضح أن الحرب المعرفية تمثل مفهومًا متطورًا يعتمد نجاحه على حسن فهم نطاقه والسياق الذي يُطبق فيه، وأن التفوق المعرفي أصبح عنصرًا أساسيًا في التخطيط الدفاعي الحديث.

كما أصبحت القوى الفاعلة من غير الدول من أبرز مصادر التهديد للأمن القومي المصري، لما تستخدمه من وسائل غير تقليدية تشمل الإرهاب، والهجمات السيبرانية، والحرب الإعلامية، والجريمة المنظمة، والضغوط الاقتصادية.

لذلك تعتمد الدولة المصرية على استراتيجية شاملة تجمع بين الإجراءات الأمنية والعسكرية، والتشريعات، والتكنولوجيا، والتعاون الدولي، وتعزيز الوعي المجتمعي، للحفاظ على الأمن القومي واستقرار الدولة.

وفي هذا الإطار، تتطلب مواجهة حملات التضليل الإعلامي تضافر الجهود، وبناء مؤسسات تمتلك الصلاحيات والقدرات اللازمة، وتجنيد الكفاءات، ووضع السياسات المناسبة، وتوفير الأدوات الكفيلة بإنجاح هذه الجهود. وتواصل الدولة المصرية، بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، تنفيذ هذه الرؤية من خلال مؤسساتها الوطنية، وفي مقدمتها الأكاديمية العسكرية للدراسات الاستراتيجية والأمن القومي، التي تضطلع بتدريب الكوادر العسكرية والمدنية على مواجهة الحروب المعرفية وتعزيز الأمن القومي وبناء الجمهورية الجديدة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني