الجرائم التي لا يجوز فيها التصالح وتلك التي يجوز فيها بالضوابط القانونية


كتبه وحرره : المستشار الدكتور / محمد الشماع

لصالح : مجلة المنصور 

وضع المشرع المصري إطاراً قانونياً دقيقاً ينظم مسألة التصالح في الجرائم الجنائية ، محققاً بذلك التوازن المنشود بين حق الفرد في التنازل عن شكواه، وحماية المجتمع من الجرائم الخطيرة التي لا يجوز التهاون فيها حفاظاً على النظام العام والمصلحة المجتمعية .

وفي هذا السياق ، نستعرض تفصيلاً الجرائم التي استثناها القانون وحظر فيها التصالح بشكل قاطع ، وتلك التي أتاح فيها المشرع إمكانية الصلح وفق ضوابط ونصوص محددة ، مع بيان الموقف القانوني الحاسم تجاه جرائم الاعتداء الجنسي ، والأحكام الخاصة بوصولات الأمانة وفقاً للتعديلات التشريعية السارية .

أولاً : الجرائم التي لا يجوز فيها التصالح

لا يمكن بأي حال من الأحوال إتمام التصالح في الجرائم الآتية مهما بلغت درجات الاتفاق بين الأطراف ، لما تمثله من خطورة جسيمة على استقرار المجتمع وسلامة أفراده :

- القتل العمد.

- التعذيب.

- السرقة (سواء كانت في شكل جنحة أو جناية).

- البلطجة.

- فرض السيطرة.

- ترويع المواطنين.

ثانياً : جرائم الاعتداء الجنسي (الموقف القانوني الحاسم)

ألغت التعديلات التشريعية الحديثة كافة النصوص القديمة التي كانت تبيح إعفاء الجاني من العقوبة في جرائم الاعتداء الجنسي والاغتصاب من خلال الزواج بالضحية ( مثل المادة 291 من قانون العقوبات التي تم إلغاؤها سابقاً ) ، وذلك حفاظاً على كرامة المجني عليهن ومنع إفلات الجناة من العقاب .

ولا يجوز نهائياً التصالح أو انقضاء الدعوى الجنائية بالزواج أو التنازل في جرائم الاعتداء الجنسي وهتك العرض والاغتصاب ، وتعتبر هذه الجرائم من الجرائم العمومية التي تعاقب عليها الدولة بغض النظر عن رغبة المجني عليه في التنازل .


ثالثاً : الجرائم التي يجوز فيها التصالح

أتاح القانون المصري إمكانية التصالح وانقضاء الدعوى الجنائية بخصوصها في حالات محددة نصت عليها مواد قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية، وأبرزها :

 1. القتل الخطأ (المادة 238 - فقرة 2 من قانون العقوبات) :

  " من تسبب خطأ في موت شخص آخر بأن كان ذلك ناشئاً عن إهماله أو رعونته أو عدم احترازه أو عدم مراعاته للقوانين والقرارات واللوائح والأنظمة ويجوز التصالح فيها طبقاً للمادة (18 مكرر أ ) من قانون الإجراءات الجنائية ، حيث يترتب على إثبات الصلح من المجني عليه أو ورثته انقضاء الدعوى الجنائية بفقرتيها .


2. النصب (المادة 336 من قانون العقوبات):

  " يعاقب بالحبس كل من توصل إلى الاستيلاء على نقود أو عروض أو سندات دين أو سندات مخالصة أو أي متاع منقول وكان ذلك بالاحتيال " 

 ويجوز التصالح فيها وانقضاء الدعوى الجنائية بتقديم إيصال السداد أو عقد الصلح الموثق طبقاً للمادة (18 مكرر أ) .

 

3. خيانة الأمانة وإيصالات الأمانة على بياض (المادة 340 من قانون العقوبات) :

  " كل من ائتمن على ورقة ممضاة أو مختومة على بياض فخان الأمانة وكتب في البياض الذي فوق الختم أو الإمضاء سند دين أو مخالصة أو غير ذلك من السندات والتمسكات ... عوقب بالحبس.

-ما ينصه القانون بشأن وصل الأمانة والتصالح : تُعد جرائم خيانة الأمانة ووصولاتها من الجرائم التي يجوز فيها الصلح بصفة قطعية في أي مرحلة تكون عليها الدعوى قبل صدور حكم بات ، حيث يقضى بانقضاء الدعوى الجنائية بمجرد سداد المبلغ أو تقديم إيصال السداد أو التنازل الموثق من المجني عليه.

-ولم يصدر أي قرار وزاري أو تشريعي حديث يلغي هذا الحق الأصيل في التصالح المالي المدني والتجاري المرتبط بتلك القضايا ، إذ يظل الصلح سيد الأدلة في إنهاء النزاعات المالية البسيطة وتحقيق العدالة الناجزة .

 

4- انتهاك حرمة ملك الغير (المواد 370، 371، 373 من قانون العقوبات):

  " الجرائم المرتبطة بدخول بيت مسكون أو ملحقاته أو الأراضي الزراعية قاصداً منع حيازتها أو ارتكاب جريمة، وتجوز التسوية والصلح فيها لكونها مرتبطة بحقوق شكوى وحيازة فردية". 


 5. المخالفات والجنح البسيطة (المواد 377 و 378 من قانون العقوبات):

   فيما يلي النصوص الكاملة للمواد (377) و(378) من قانون العقوبات المصري والخاصة بالمخالفات والجنح البسيطة المذكورة:

أولاً: نص المادة (377) من قانون العقوبات

نصت المادة (377) على أنه:

يعاقب بغرامة لا تتجاوز مائتي جنيه من فعل إحدى الفعال الآتية:

 1. (ألغيت).

 2. من ركض دابة أو حيواناً آخر في الأماكن الآهلة أو في الشوارع أو الطرق أو الميادين على وجه يظهر فيه الخطر أو الضرر للمارة.

 3. من أطلق طلقات فواعلية (ألعاب نارية) أو أحدث فرقعة مزعجة في مكان عام أو شارع أو طريق بدون مقتضى.

 4. من وضع في شرفة أو في غيرها من أجزاء منزله المطلة على الشارع أشياء يمكن بوقوعها إلحاق الضرر بالمارة.

 5. من وضع في شرفة أو غيرها من أجزاء منزله أشياء مضرة بالصحة العامة.

 6. من ألقى في الشارع أو الطرق أتربة أو أوساخاً أو مخلفات أو حيوانات ميتة أو شيئاً آخرا يكدّر الصفاء.

 7. من هدم أو أتلف شيئاً من علامات الطرق أو الأسوار أو الفواصل المعدة لتنظيم المرور.

 8. من رمى حجارَة أو مواد صلبة أو قاذورات على بيوت أو مساكن أو مبان أو بساتين أو سيارات أو مركبات أخرى.

 9. من أحدث إزعاجاً للغير بطريقة مُزعجة لراحة النقاط أو الأشخاص أو إيذاءً بسيطاً لا تزيد العقوبة المقررة له عن ذلك.

ثانياً: نص المادة (378) من قانون العقوبات

نصت المادة (378) على أنه:

يعاقب بغرامة لا تتجاوز مائة جنيه من فعل إحدى الأفعال الآتية:

 1. من خالف الأوامر الصادرة من الجهات المختصة بخصوص منع البناء أو الحفر في الشوارع أو الطرق أو الأماكن العامة دون ترخيص.

 2. من أهمل في ترميم أو تنظيف حائط أو مبنى مهدد بالانهيار رغم إنذاره بذلك.

 3. من ترك حفرة أو حائطاً منكوباً مكشوفاً بدون سياج أو إضاءة كافية تحذر المارة.

 4. من دخل أو مر على أرض مزروعة أو فضاء معدة للزرع أو قلع شيئاً منها أو ترك حيواناته ترعى فيها دون إذن صاحبها.

 5. من قطع أو أتلف أشجاراً أو غرساً أو نخيلاً من ملك الغير أو أخذ ثمارها.

 6. من أتلف منقولات الغير بإهمال أو قلة احتراز.

 7. من أهمل في حفظ حيواناته الخطيرة أو المفترسة فترتب على ذلك أضرار بالغير.

 8. من تسبب في موت الدواب أو البهائم المملوكة للغير بالإهمال أو عدم الاحتراز.

 9. من وجد في مكان عام متلبساً بجريمة سب غير علني أو صدر منه قول أو فعل يخل بالحياء العام بالمعنى البسيط المخالف للآداب.

الإطار العام الحاكم للتصالح:

يُستند في جواز التصالح لكل الجرائم المذكورة إلى المادة 18 مكرر أ من قانون الإجراءات الجنائية المصري، والتي نصت على جواز إثبات الصلح في الجنح والمخالفات التي نص عليها القانون، حيث يجوز للمجني عليه أو وكيله الخاص تقديم طلب الصلح إلى النيابة العامة أو المحكمة بحسب الأحوال (سواء قبل المحاكمة أو أثناء نظر الدعوى وحتى قبل أن يصبح الحكم باتاً)، وهو ما يترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية فوراً.

رابعاً: إجراءات الصلح القانونية

لكي يُعتد بالصلح قانونياً وينتج آثاره في انقضاء الدعوى، يجب اتباع الإجراءات الآتية بدقة:

- أن يتم الصلح عن طريق المجني عليه شخصياً أو بواسطة وكيل خاص بموجب توكيل رسمي يبيح ذلك صراحة.

- توثيق الصلح من خلال محضر رسمي بقسم الشرطة، أو أمام النيابة العامة، أو أثناء نظر الدعوى الجنائية أمام المحكمة.

- جواز تحرير محضر صلح رسمي موثق بالشهر العقاري أو تقديم مستند السداد المعتمد.


الخلاصة

إن الصلح في القانون الجنائي المصري ليس حقاً مطلقاً ، بل هو نظام استثنائي مقيد بجرائم محددة بنصوص واضحة . 

والهدف الأسمى هو تحقيق العدالة الناجزة والردع العام ، مع إتاحة الفرصة لتصحيح الأوضاع في النزاعات البسيطة التي لا تمس أمن المجتمع بشكل مباشر.

وشكرا


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني