الآباء والأمهات المنسيون من يدعم الصحة النفسية لأسر الأطفال ذوي الإعاقة؟



بقلم : ا.د عزة خضرى عبد الحميد 

استاذ الصحة النفسية ورئيس قسم التربية الخاصة 


عندما يغادر الطفل جلسة التخاطب أو العلاج الوظيفي، يعتقد الجميع أن المهمة قد انتهت، لكن الحقيقة تبدأ بعد إغلاق باب المركز. هناك، داخل المنزل، تبدأ رحلة أخرى لا تقل صعوبة؛ رحلة يعيشها الأب والأم يوميًا بين القلق، والضغوط المالية، والخوف من المستقبل، ومحاولات الحفاظ على تماسك الأسرة.

وفي الوقت الذي تتجه فيه معظم الجهود إلى تطوير خدمات التأهيل للأطفال، يبقى السؤال الذي نادرًا ما يُطرح: من يعالج الإرهاق النفسي للوالدين؟

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن رعاية الأطفال ذوي الاضطرابات أو الإعاقات النمائية لا ينبغي أن تقتصر على الطفل وحده، بل يجب أن تشمل دعم مقدمي الرعاية أيضًا، لأن رفاههم النفسي ينعكس مباشرة على جودة حياة الطفل وفاعلية التدخلات المقدمة له. كما تؤكد أن ملايين الأسر حول العالم لا تزال تفتقر إلى خدمات الدعم المناسبة.


رحلة تبدأ بالتشخيص... ولا تنتهي عنده

لا ينسى معظم الآباء لحظة سماع تشخيص طفلهم لأول مرة. يصفها كثيرون بأنها لحظة انقسام الحياة إلى مرحلتين: ما قبل التشخيص وما بعده.


إحدى الأمهات، في شهادة تعكس ما يتكرر لدى كثير من الأسر، تقول:

«"لم أبكِ لأن ابني مصاب بالتوحد، بل لأنني لم أكن أعرف ماذا ينتظرنا بعد ذلك. شعرت أنني أصبحت مسؤولة عن معركة لا أعرف قوانينها."»


ومع مرور الوقت، تتحول الصدمة إلى واقع يومي مليء بالمواعيد الطبية، والجلسات التأهيلية، والمتابعة المدرسية، والبحث المستمر عن خدمات أفضل، في ظل ضغوط مالية ونفسية متزايدة.


أرقام تكشف حجم الأزمة

تُظهر مراجعة علمية حديثة أن مستويات الضغوط النفسية لدى آباء وأمهات الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد أعلى بصورة كبيرة مقارنة بآباء الأطفال النمائيين، كما تزيد الحاجة غير الملباة إلى الخدمات والدعم الاجتماعي من احتمالات الوصول إلى مستويات مرتفعة من الضغوط النفسية.


وفي دراسة مصرية نُفذت على أسر أطفال من ذوي التوحد، انخفضت نسبة مقدمي الرعاية الذين يعانون من ضغوط شديدة من 57.5% قبل برنامج الإرشاد النفسي إلى 25% بعده، كما انخفضت مؤشرات الانفعال والاحتقان الأسري بصورة ملحوظة، وهو ما يعكس الأثر الإيجابي للتدخلات النفسية الموجهة للوالدين.


كما أوضحت دراسة حديثة أجريت في مصر على مئات مقدمي الرعاية أن انخفاض الدعم الاجتماعي ارتبط بزيادة الضيق النفسي وتراجع جودة الحياة لدى الوالدين.


عندما يصبح الأب أو الأم "المريض الخفي"

يصف بعض المتخصصين الوالدين بأنهما "المريض الخفي"، لأن معظم الاهتمام يتجه إلى الطفل، بينما تتراكم الضغوط على الأسرة دون أن يلاحظها أحد.


وتؤكد الدراسات الحديثة أن الدعم العاطفي والاجتماعي المنتظم يرتبط بتحسن الصحة النفسية لمقدمي الرعاية وانخفاض مستويات التوتر لديهم، بما ينعكس إيجابًا على الأسرة بأكملها.


الضغوط الاقتصادية... الوجه الذي لا يظهر

لا تتوقف المعاناة عند الجانب النفسي، فالأعباء المالية تمثل تحديًا يوميًا. فتكلفة الجلسات، والتنقل، والأدوات التعليمية، والوقت الذي يخصصه أحد الوالدين للرعاية قد يفرض تغييرات جذرية على دخل الأسرة ونمط حياتها.


يقول أحد الآباء في شهادة تعكس واقعًا متكررًا:

«"كنت أظن أن أصعب ما في الأمر هو التشخيص، لكن الأصعب كان كيف أوفر احتياجات ابني كل شهر، دون أن أشعر أنني أقصر في حق بقية أفراد الأسرة."»


أين تكمن الفجوة؟

يشير متخصصون إلى أن معظم برامج التأهيل تركز على الطفل، بينما لا يحصل الوالدان إلا على قدر محدود من الإرشاد أو الدعم النفسي، رغم أن نجاح أي خطة علاجية يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الأسرة على الاستمرار وتطبيق ما تتعلمه داخل المنزل.


وتوصي منظمة الصحة العالمية ببرامج تدريب وإرشاد لمقدمي الرعاية، لما لها من أثر في رفع كفاءتهم، وتقليل الضغوط، وتحسين جودة الرعاية المقدمة للأطفال ذوي الاضطرابات النمائية.


ماذا يقول الخبراء؟

يرى متخصصون في الصحة النفسية والتربية الخاصة أن دعم الأسرة ينبغي أن يصبح جزءًا أساسيًا من أي خطة تأهيل، وليس خدمة إضافية. ويؤكدون أن الاستثمار في الوالدين ينعكس مباشرة على الطفل، من خلال تحسين الالتزام بالبرامج العلاجية، وتقليل الضغوط المنزلية، وتعزيز فرص النمو والتعلم.


كما تشير الأدلة العلمية إلى أن برامج الإرشاد النفسي، ومجموعات الدعم، والتدريب الأسري تحقق نتائج ملموسة في خفض مستويات التوتر وتحسين جودة الحياة لدى مقدمي الرعاية.


رسالة إلى صناع القرار

ربما حان الوقت لإعادة تعريف مفهوم "خدمات التربية الخاصة". فنجاحها لا يقاس بعدد الجلسات أو المراكز، بل بقدرتها على بناء أسرة قادرة على مواصلة الرحلة.


إن إدراج خدمات الدعم النفسي والإرشاد الأسري ضمن منظومة الرعاية، وتوفير برامج تدريب للوالدين، وتوسيع الوصول إلى الخدمات، لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة اجتماعية وتربوية وصحية.


فالطفل يحتاج إلى التأهيل... لكن الأسرة أيضًا تحتاج إلى من يؤهلها ويحتويها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني