توجيه رئاسي السيادة الرقمية على الذاكرة الوطنية درع للهوية وركيزة للاقتصاد المستدام
كتبت الإعلامية /فاطمة القصاص
"تحية تقدير للرئيس عبد الفتاح السيسي على قراره الحكيم برقممنة تراث ماسبيرو..
خطوة استراتيجية تحمي تاريخنا الفني والثقافي، وتصون الهوية المصرية عبر العصور هذه الخطوه التاريخية الرائدة تعكس وعياً عميقاً بقيمة الهوية المصرية"
.
شهدت الهيئة الوطنية للإعلام مؤتمراً صحفياً موسعاً للإعلان عن الانطلاق الفعلي للمشروع الرئاسي الأضخم لأرشفة وتوثيق تراث "ماسبيرو" سمعياً وبصرياً. ويمثل هذا المشروع استجابة مباشرة للتوجيه الرئاسي بحماية الهوية المصرية وتأمين الذاكرة الوطنية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
واستهل الكاتب الصحفي أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام المؤتمر بكلمة أكد فيها أن «التوجيه الرئاسي» أتاح انطلاقة تاريخية غير مسبوقة لهذا المشروع الحيوي بعد سنوات من التعثر، مشيداً بدعم القيادة السياسية للمنظومة الإعلامية. وأوضح المسلماني أن المشروع يرتكز على استراتيجية «الرقمية أولاً»، والتي تتضمن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الفهرسة والتصنيف، وتطوير البنية التكنولوجية للمحتوى الإعلامي، وحماية البرامج النادرة والتراث السمعي البصري الذي قارب على المائة عام منذ صدور قانون الإذاعة عام 1926.
من جانبه، استعرض اللواء دكتور وليد عدلي عطية مدير إدارة نظم المعلومات بالقوات المسلحة، الآليات والحلول التكنولوجية المؤمنة التي تم الاعتماد عليها بالتعاون مع الهيئة. وكشف عن وجود تكليف رئاسي محدد بألا تتجاوز مدة تنفيذ مشروع الرقمنة بالكامل عامين. ولفت إلى أنه تم الاستعانة بأكبر الشركات العالمية المتخصصة وأحدث الأجهزة المتقدمة لضمان أرشفة المحتوى وتأمينه ضد التلف أو الفقد وفق أعلى معايير الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
وفى سياق متصل، أعلن الكاتب الصحفي ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام أن شهر أبريل المقبل سيشهد الانتهاء من رقمنة 41% من المحتوى التليفزيوني الخاص بالمشروع. وأكد أن هذا التراث هو ملك أصيل للشعب المصري، وأن الدولة حريصة على تسليم هذا الميراث الحضاري إلى مستحقيه من الأجيال القادمة بشكل عصري وآمن.
بدوره، أكد المهندس خالد عبد العزيز رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أن مشروع رقمنة تراث ماسبيرو يعد خطوة استراتيجية لحماية الذاكرة الوطنية، مشبهاً أهميته البالغة بمشروعات ترميم الآثار المصرية القديمة. ووصف عبد العزيز هذه المبادرة التاريخية بأنها «المشروع الثقافي الأعظم في هذا القرن»، داعياً إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والوسائل العصرية لتعزيز وصول هذا التراث الملهم للأجيال الجديدة وإبراز القوة الناعمة لمصر عالمياً.
وشهد المؤتمر عرض فيلم تسجيلي يوثق المراحل التنفيذية التي قطعتها فرق العمل الفنية داخل مكتبات التليفزيون، وما تم من فرز وتجهيز للأشرطة النادرة قبل نقلها إلى الصيغ الرقمية المؤمنة.
ويعكس هذا المشروع القومي حجم الرؤية الرئاسية الحكيمة التي تدرك أن الحفاظ على الهوية المصرية لا يقل أهمية عن حماية الحدود. فالتوجيهات الرئاسية لم تأت من فراغ، بل جاءت إدراكاً بأن الذاكرة الوطنية هي خط الدفاع الأول في معركة الوعي، وأن تأمين 100 عام من الإرشيف الإعلامي هو بمثابة تأمين لمستقبل الأجيال القادمة. وقد وضعت القيادة السياسية هذا الملف على رأس أولويات الدولة باعتباره قراراً مصيرياً يربط بين صون التراث، وتعزيز الأمن القومي الثقافي، وتمكين الاقتصاد الإبداعي، في تأكيد واضح على أن الدولة المصرية لا تفرط في تاريخها، بل تحوله إلى أداة للبناء والتنمية.
والجدير بالذكر أن هذا المشروع الاستراتيجي يعد الأكبر للأرشفة الرقمية في المنطقة العربية، حيث يستهدف أرشفة وتوثيق نحو مليون شريط صوتي ومرئي بإجمالي يصل إلى 800 ألف ساعة من المحتوى التاريخي النادر لنقله من الوسائط التقليدية إلى صيغ رقمية مؤمنة خلال عامين.
ولا يمثل هذا التحرك مجرد تحديث تقني لمكتبات التلفزيون والإذاعة. بل هو إعلان سيادة يضع مصر في صدارة الدول التي تحمي إرثها بقوة التكنولوجيا وبأعلى معايير التأمين ضد التلف أو الفقد أو الاختراق. فحفظ الذاكرة السمعية والبصرية للدولة هو حفظ لجزء أصيل من وجدان الشعب.
ولم تعد حماية التراث المصري بأكمله، من الآثار الفرعونية والإسلامية والقبطية إلى المخطوطات النادرة والتراث السمعي والبصري المعاصر، مجرد ترف ثقافي. لقد باتت قضية أمن قومي مباشرة ومحوراً أساسياً للاقتصاد الوطني. فالأمن القومي اليوم لا ينحصر في حماية الحدود الجغرافية، بل يمتد ليشمل حماية "الحدود الثقافية والوعي الجمعي" من الاختراق أو التشويه أو محاولات السطو وادعاء المنشأ التي تتزايد في عصر العولمة الرقمية.
ومن الناحية الاقتصادية يشكل هذا التراث ثروة سيادية متجددة. فهو يرفد الخزانة العامة عبر تنشيط السياحة الثقافية والاستثمار في المحتوى الرقمي. وبذلك يتحول صون الميراث الحضاري إلى استثمار بعوائد مباشرة يدعم العملة المحلية ويخلق روافد استثمارية مستدامة للأجيال القادمة، ويحول الماضي إلى أصل منتج في الحاضر.
ويتجل البعد التنموي لهذا التوجيه الرئاسي في ربط صون التراث بقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، المحرك الأساسي لرؤية مصر المستقبلية. إن إتاحة التراث الموثق وإحياء الفنون والحرف التقليدية المرتبطة بالهوية المصرية يفتح آفاقاً واسعة أمام الشباب ورواد الأعمال لتأسيس مشروعات إنتاجية تعتمد على الإبداع التراثي. هذه المشروعات تخفض البطالة، وتوطن الصناعات الثقافية الخفيفة، وتمكن المجتمعات المحلية اقتصادياً، وتحول الذاكرة الثقافية إلى طاقة إنتاجية مستمرة.
ولا يتوقف المشروع عند حدود الحفظ الصامت والتخزين. بل يمتد لفتح آفاق استثمارية ومعرفية واعدة من خلال "إعادة تدوير التراث". فالـ 800 ألف ساعة المؤرشفة تتحول إلى مادة خام غنية تتيح لشركات التكنولوجيا الناشئة وصناع المحتوى توظيفها في إنتاج أفلام وثائقية حديثة، وتطوير مناهج تعليمية تفاعلية بالواقع الافتراضي والميتافيرس، وابتكار ألعاب إلكترونية تعز الوعي التاريخي.
كما يمنح هذا التحول الرقمي الدولة المصرية أداة نفوذ ثقافي عابرة للحدود عبر ما يُعرف بـ "الدبلوماسية الرقمية". فمن خلال إتاحة هذا المحتوى الإعلامي الموثق عالمياً، تستطيع مصر صياغة السردية التاريخية الصحيحة عن نفسها، ومخاطبة الشعوب وفئات المغتربين بلغة عصرية. هذا التواجد يعز مكانة مصر كقائد ثقافي وإعلامي رائد ويعيد إبراز قوتها الناعمة دولياً.
أن التراث السمعي والبصري كونه تسجيلات إخبارية أو سياسية. إنه المرآة الأنثروبولوجية الحية التي رصدت نبض الشارع المصري وعاداته ولهجاته وتحولاته الاجتماعية على مدار قرن كامل. لذا فإن رقمنته هي صون لـ "الضمير الجمعي" من التسطيح والنسيان، وجسر يربط الأجيال الناشئة بجذورها القيمية ويشكل حصانة ذاتية للشباب في مواجهة الأفكار الدخيلة.
وختاماً، ولضمان استدامة هذه النهضة الرقمية، يأتي التوجيه الرئاسي بمواكبة المشروعات التقنية بتطوير منظومة تشريعات الملكية الفكرية للأصول الرقمية السيادية. فوضع أطر حوكمة صارمة لتداول وبث وإعادة استخدام محتوى ماسبيرو يضمن التوازن بين إتاحة المعرفة للجمهور وحماية الحقوق التاريخية والاقتصادية للدولة المصرية. فالتراث الذي لا يُوثق يُنسى، والهوية التي لا تُرقمن تُخترق، ومصر اليوم تختار أن تؤمن ماضيها لتصنع مستقبلها.

تعليقات
إرسال تعليق