بشير جنّان: سفير الحرف الرسالي والروح الأكاديمية من قلب الجزائر



كتبت /منى منصور السيد

تنثال الكلمات وتتشابك الرؤى في فضاءات الكتابة الفسيحة، حيث تُشيّد الحروف عوالم من الجمال تناهض الرداءة وتسمو بالذوق الإنساني. وفي هذا الأفق الرسالي الممتد، نلتقي اليوم مع الكاتب المبدع الدكتور الشاعر بشير جنّان، الذي أثرى الساحة الأدبية بأعماله المميزة؛ لنغوص في أعماق تجربته الإبداعية، ونستكشف المحطات البارزة في مسيرته، والتحديات التي واجهها، والمصادر التي ألهمته. يسرنا في مجلة "المنصور" الترحيب بك أستاذنا الفاضل.
س: بدايةً، يسرنا أن نترك لك المساحة الكافية لتعرّف نفسك كما تود لقارئ الحوار أن يعرفك.
ج: في البداية أتوجّه بجزيل الشّكر لجريدة "أدباء مصر" على إتاحتها لي هذه الفرصة الطيّبة، والتّي من خلالها نمدّ جسور اللّقاء والتّواصل والتّعارف مع القارئ الكريم، خدمةً للثّقافة العربيّة والإسلاميّة، وارتقاءً بالكلمة الجماليّة والحضاريّة عن كلّ ما يجرحُ الذّوق السّليم، ويُشوّه الحرفَ الرّساليّ.
معكم الدّكتور الشّاعر بشير جنّـان، من مواليد 29 يوليو 1966 بمدينة باتنة - الجزائر. مُتحصّل على شهادة البكالوريا (شعبة العلوم الطبيعيّة) جوان 1986م، وعلى شهادة ليسانس العلوم الإسلاميّة (تخصُّص أصول الفقه) جوان 1990م من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلاميّة بقسنطينة. وواصلت المسيرة بنيل شهادة الماستر في الفقه وأصوله ماي 2017م من جامعة الشّهيد حمَّه لخضر بالوادي، عن بحثي الموسوم بـ "فقه المقاصد عند الإمام ابن باديس"، ثم تُوّج هذا مسار بشهادة الدّكتوراه من جامعة الأمير عبد القادر (كليّة الشّريعة والاقتصاد، قسم الفقه وأصوله، تخصّص دراسات معاصرة في الفقه والأصول) عن أطروحتي: "جوانب التّجديد في المباحث الأصوليّة عند الإمام الشّاطبيّ".
أنا حالياً عضو فرقة البحث "الوسطيّة في الفتوى الفقهيّة وتجليّاتها في الحياة المعاصرة" بجامعة الأمير عبد القادر، وأمتلك خبرة ستّ وثلاثين سنة في قطاع التّربيّة والتّعليم منذ سنة 1990م.
س: متى وكيف بدأت رحلتك مع الكتابة؟
ج: يبدو أنّني منذ صغري وأنا في رحلة البحث عن ذاتي؛ وتجلى ذلك من خلال محاولات الرّسم والدّندنة أحيانًا، وبعض الخربشات وكتابة الخواطر وما يُشبه الشّعر أحيانًا أخرى. كلّ تلك البدايات كانت من صميم اكتشاف الذّات وتكوينها، ثم تطور الأمر شيئًا فشيئًا، ورويدًا رويدًا في رحلة ممتدة للبحث عن نضج الذّات فكرًا ورسالةً.
س: حدثنا عن أعمالك السابقة، وما هي أبرزها من وجهة نظرك؟
ج: لي العديد من النّشاطات الثّقافيّة والفكريّة والعلميّة، أبرزها المشاركة في عدّة ملتقيات وطنيّة ودوليّة أكاديميّة، ونشر العديد من المقالات العلميّة والفكريّة. وقد صدر لي لحدّ الآن:
1/ مجموعة شعريّة بعنوان "أزهار الدّرويش" عن دار عليّ بن زيد للطّباعة والنّشر ببسكرة، ط1، 2025م.
2/ كتاب أكاديميّ بعنوان "جوانب التّجديد في المباحث الأصوليّة عند الإمام الشّاطبيّ" عن دار صوت الكتب للنّشر والتّوزيع ببرج الكيفان، ط1، جانفي 2026م. بالإضافة إلى مشاريع أخرى - شعرًا ونثرًا - سترى النّور قريبًا بحول الله تعالى.
أما على صعيد النشاط الجمعوي والثقافي، فقد شغلت سابقاً لعهدتَين منمنصب نائب رئيس المكتب الولائي لـ (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) بولاية بسكرة، وقبلها أميناً عاماً ومسؤول التنظيم فيه، كما ترأست (منتدى النخبة والكفاءات الوطنية) بالمكتب الولائي ببسكرة.
ومن أهم المشاركات الإبداعية: الأوبيرات الشعرية الدولية "بردة الجزائر" عام 2019، والمهرجان الوطني للأدب والإبداع في طبعته الثانية عام 2019 تحت شعار "الكلمة مورد جامع للأفكار"، والملتقى الوطني الرابع للبوح الشعري "صورة فلسطين في حاضر التجربة الشعرية الجزائرية" عام 2024، والمهرجان الثقافي الدولي للشعر العربي الكلاسيكي بمدينة بسكرة عام 2025.
س: ما هي أبرز الصعوبات التي واجهتك في مسيرتك الكتابية؟
ج: أرى أنّ الصّعوبات تنقسم إلى شقين: أحدهما ذاتيٌّ، والآخر موضوعيٌّ. فالعقبات الذّاتيّة تتمثّل في ذلك الصّراع الدّاخلي الذّي عشته في رحلة البحث عن كينونتي، صقل وتشكيل الذّات الإنسانيّة، وهي صعوبات أراها إيجابية وبناءة وليست بالضّرورة سلبيّةً. وأمّا الشق الموضوعيّ فيكمن في جملة العراقيل التّي قد تصادف المبدع في مشواره العلميّ والأدبيّ؛ سواء داخل محيط الأسرة، المدينة، المدرسة، أو ضمن شبكة العلاقات الاجتماعيّة إجمالًا، وخاصة من تلك الأطراف التّي تعمل جاهدةً على إحباطك وبث الانهزام في نفسك. لكن التغلب عليها يفرض على الإنسان أن يتسلّح دائماً بسلاح التّحدّي، الإرادة، والعزيمة الصلبة.
س: غالبًا ما يكون خلف كل كاتب داعمٌ يدفعه نحو الاستمرار، من هو الملهم أو المشجع الرئيسي لك في مسيرتك؟
ج: في الحقيقة، أعترف بوجود عدّة مُلهمين ومؤثّرين كُثُر ساهموا في تكوين موهبتي وبناء شخصيّتي. وأخصّ بالذّكر بعد والديَّ -رحمهما الله تعالى وعوضهما الجنة- بعضَ أساتذتي الأجلاء ومَن علّمني في مراحل تعليميّ المختلفة. فقد كان لهم أثرٌ كبير، سواء أكان ذلك التّأثيرُ مباشرًا في قاعات الدّراسة، أو غير مباشر من خلال قراءاتي العميقة للكتب والمؤلّفات المتباينة المشارب والمتعدّدة التّخصّصات والتّوجّهات، والتّي جعلتني أتأثّر بعمق بفكر أصحابها ومؤلّفيها.
س: أكان لك داعمٌ من الوسط الثّقافي؟ وكيف ترى الدّعم من الوسط الثقافي للكُتّاب الناشئين؟
ج: نعم، هناك بعضُ الأصدقاء الأوفياء الذّين كانوا حريصين جدًّا على دعمي بكثافةٍ وحرصٍ شديدين في مختلف مراحل حياتي، حيث عملوا على تحفيزي وتشجيعي المستمر على الكتابة والتّأليف. لقد دفعوا بهمّتي بقوة لإخراج حروفي وكلماتي من دهاليز الحياء وأقبية الشّعور بالنّقص إلى عوالم النّور الفسيحة؛ لنثر الجمال، ومُزاحمة القُبح، ومكافحة الرّداءة وكلّ ما يُشوّهُ عالم الفكر والثّقافة والفنّ. وهنا لا بُدّ أن أعترف لكم بمساندة أخي الغالي الذّي لم تلدهُ أمّي، والذي كان سندي الحقيقي في هذه الرحلة المضيئة.

تعليقات