دمياط تحت المجهر... حين يكون العقل هو خط الدفاع الأول
دمياط تحت المجهر... حين يكون العقل هو خط الدفاع الأول
بين ضجيج الشائعات وصوت الحقيقة
"في القضايا التي تمس أمن الأوطان، لا تُكتب الحقيقة بمنشورات عابرة، ولا تُصنع الأحكام تحت ضغط الانفعال؛ بل تُبنى على الأدلة، ويكشفها التحقيق، ويحرسها الوعي الوطني."
بقلم: اللواء سامى دنيا
ليست المرة الأولى التي يجد فيها الرأي العام نفسه أمام حدث يثير القلق ويُطلق العنان لسيل من التحليلات والتكهنات. وما شهدته محافظة دمياط مؤخرًا أعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا يتجدد مع كل أزمة: هل نستقي مواقفنا من الحقائق، أم من الشائعات؟
في زمن تتسابق فيه منصات التواصل الاجتماعي إلى نشر الروايات قبل اكتمال الصورة، يصبح التريث فضيلة، ويغدو احترام التحقيقات الرسمية واجبًا وطنيًا لا يقل أهمية عن أي موقف آخر.
الأمن القومي ليس مادة للتخمين
إن تقييم أي حادث يرتبط بمنشآت استراتيجية أو مرافق حيوية لا يجوز أن يتم بمنطق الانطباعات أو ردود الأفعال السريعة، فالأجهزة المختصة تمتلك من الأدوات الفنية والاستخباراتية ما يمكنها من تحليل الوقائع بصورة دقيقة، بينما تبقى المعلومات المتداولة خارج هذا الإطار مجرد روايات غير مكتملة.
ولهذا فإن إصدار الأحكام قبل انتهاء التحقيق لا يخدم الحقيقة، بل قد يمنح الشائعة فرصة لتسبق المعلومة الصحيحة.
بين البيان الرسمي والقراءة المتعجلة
لاحظ البعض وجود اختلاف بين ما صدر عن الحكومة وما أعلنته وزارة البترول، بينما تشير القراءة الهادئة إلى أن البيانين يعالجان جانبين مختلفين من الواقعة.
فوزارة البترول تناولت الجانب التنفيذي، مؤكدة نجاح فرق الطوارئ في السيطرة على الحريق، وعدم وقوع إصابات بشرية أو أضرار بالميناء أو بمحطة الإسالة، في حين يبقى تحديد الأسباب النهائية للحادث شأنًا تختص به التحقيقات الفنية التي لم تُستكمل بعد.
وهذا النهج يعكس احترام المؤسسات لمسار التحقيق، لا وجود تناقض بينها.
هل يعني وقوع الحادث ضعف منظومة التأمين؟
الإجابة الموضوعية تفرض نفسها: لا.
فلا توجد منشأة، مهما بلغت درجة تأمينها، تتمتع بحصانة مطلقة ضد جميع المخاطر.
وقد شهد العالم حوادث استهدفت منشآت عسكرية ونفطية في دول تمتلك أكثر الأنظمة الدفاعية تطورًا، وهو ما يؤكد أن فلسفة التأمين تقوم على تقليل احتمالات الخطر وتقليص آثاره، وليس ادعاء استحالة وقوعه.
ومن ثم، فإن حادثًا منفردًا لا يكفي للحكم على منظومة كاملة.
الفرضيات... ليست حقائق
من الطبيعي أن تُطرح أثناء الأزمات سيناريوهات متعددة، منها ما يتحدث عن محاولات لجر مصر إلى توترات إقليمية، أو استهداف قطاع الطاقة، أو التأثير في ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
كما تداول البعض فرضيات أخرى تتعلق بإمكانية انطلاق الجسم محل التحقيق من منصة بحرية أو من إحدى السفن العابرة في البحر المتوسط.
لكن من الأمانة العلمية والوطنية التأكيد على أن جميع هذه السيناريوهات تظل فرضيات تحليلية، لا ترقى إلى مستوى الحقيقة ما لم تدعمها نتائج التحقيقات الرسمية.
لماذا يجب أن ننتظر؟
لأن الحقيقة لا تُبنى على الانطباعات، وإنما على الإجابة عن أسئلة دقيقة، منها:
- ما طبيعة الجسم محل التحقيق؟
- ما المواد التي يتكون منها؟
- كيف وصل إلى موقع الحادث؟
- ما مساره؟
- وهل جرى رصده؟ وإن لم يحدث، فما الأسباب الفنية لذلك؟
هذه أسئلة لا تجيب عنها منصات التواصل، وإنما معامل الفحص، والخبراء، والأجهزة المختصة.
الإعلام... بين السبق والمسؤولية
من اللافت أن بعض وسائل الإعلام الأجنبية سارعت إلى تقديم روايات محددة قبل انتهاء التحقيقات.
ورغم أن سرعة النشر أصبحت سمة العصر، فإن السبق الصحفي لا ينبغي أن يكون على حساب الدقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس الأمن والاستقرار.
فالصحافة المهنية تنقل ما ثبت، لا ما يُتوقع.
الموقف الوطني الأكثر نضجًا
في مثل هذه المواقف، لا يُقاس الانتماء بحدة الانفعال، وإنما بعمق الوعي.
والوعي يقتضي ألا نُسلم عقولنا للشائعات، وألا نستبق نتائج التحقيق، وألا نتبنى رواية بلا دليل.
إن دعم مؤسسات الدولة، واحترام الإجراءات القانونية والفنية، والثقة في قدرة الأجهزة الوطنية على الوصول إلى الحقيقة، هو السلوك الأكثر مسؤولية، والأكثر حفاظًا على استقرار الوطن.
ختامًا... الحقيقة لا تستعجل
إن الأوطان القوية لا تحميها الأسلحة وحدها، وإنما يحميها أيضًا وعي شعوبها.
وفي القضايا المرتبطة بالأمن القومي، يكون الصمت الحكيم أحيانًا أكثر وطنية من الكلام المتعجل، ويصبح انتظار الحقيقة احترامًا للدولة، وللعقل، وللتاريخ.
فلنجعل الدليل هو مرجعنا، والتحقيق هو الفيصل، ولتظل المصلحة الوطنية فوق كل اجتهاد، حتى تنكشف الصورة كاملة بعيدًا عن الضجيج، وقريبًا من الحقيقة.
حفظ الله مصر قيادةً وشعبًا وجيشًا، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ أوطان أمتنا العربية من الفتن والصراعات، وجعل الحكمة والوعي سبيلًا إلى مستقبل أكثر أمنًا وسلامًا.
تحيا مصر... وتحيا إرادة شعبها... ويحفظ الله وطننا العزيز.


تعليقات
إرسال تعليق