الفكر الاستراتيجي لرؤى اللواء سامي دنيا في زمن التحولات الكبرى
إعداد /منى منصور السيد
في زمن تتزاحم فيه الأزمات وتلتبس فيه الرؤى على تخوم الشرق الأوسط، يغدو التحليل الاستراتيجي ضرورة ملحة لصون الوعي ورسم خريطة الأمان وسط أمواج المتغيرات المتلاطمة. تأتي تصريحات معالي اللواء أ.ح/ سامي دنيا لتضع النقاط على الحروف في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية بالمعادلات الجيوسياسية، وتتشابك معارك الميدان بسجالات الإعلام، مما يستدعي قراءة متعمقة تفكك الشفرات وتنفذ إلى جوهر الرسائل الاستراتيجية المتضمنة.
تتجسد اللبنة الأولى في هذه الرؤية في التقدير الدقيق لمفهوم الأمن القومي؛ فالأمن لم يعد مجرد أبعاد جغرافية صامتة، بل منظومة حيوية تشمل دوائر التماس المباشر وغير المباشر، بدءاً من الممرات المائية الحاكمة ووصولاً إلى العمق الإقليمي. وتبرز في هذا السياق قراءة واعية لظاهرة الحروب الحديثة؛ حيث أضحت التهديدات غير التقليدية، المتمثلة في المسيرات والصواريخ الموجهة والحروب الهجينة، تفرض واقعاً ميدانياً جديداً يتجاوز مفاهيم الردع التقليدية، وهو ما يتطلب تطوير خطط الدفاع الوقائي والمرونة الاستراتيجية لاستيعاب المتغيرات الميدانية واحتواء أخطارها قبل تفاقمها.
ولعل الجانب الأكثر عمقاً في طرح سيادته يتمثل في الانتباه البالغ لـ "معركة الوعي" وإدارة الرواية الاستراتيجية؛ فالحروب المعاصرة لا تُحسم فقط بحجم النيران وعدد العتاد، بل بالقدرة على صياغة الحقيقة وحمايتها من التشويه وسط فوضى الشائعات والضخ الإعلامي. إن القراءة الناقدة للأحداث والتثبت من المعلومات الموثوقة يشكلان حائط الصد الأول عن عقول الشعوب، مما يجعل تحصين الرأي العام شريكاً أساسياً للمؤسسات الوطنية في حماية الاستقرار.
ويمتد هذا التحليل ليلامس الشأن العربي في بعده الحضاري والسياسي، مؤكداً أن التشرذم والتلاوم البيني يقدمان للقوى الخارجية فرصة سانحة لتحقيق مآربها على حساب مقدرات المنطقة. إن قوة الأمة لا تتأتى من صراع أبنائها، بل من قدرتها على إدارة الاختلافات بلغة الحوار والتكامل، واستثمار عناصر القوة المتنوعة—من موارد ومواقع وخبرات—لتشكيل حائط ردع متماسك. وفي قلب هذه المعادلة، تظل مصر بصقلها التاريخي ومؤسساتها الراسخة صمام الأمان والركيزة الصلبة التي تتكسر عليها التحديات وتستند إليها محاولات التعافي الإقليمي.
إن التمعن في تصريحات اللواء سامي دنيا يضعنا أمام مدرسة في الفكر العسكري الرصين، يمتزج فيها الحذر العملياتي بالعمق السياسي، لتصوغ خريطة طريق مفادها أن البقاء والسيادة في العصر الحديث مرهونان بوحدة الصف، ووعي العقول، وجاهزية قوة الردع الكفيلة بحماية السلام ومنع الفوضى.


تعليقات
إرسال تعليق