تأملات ناصر زاهر ذوي الهمم مش هما المختلفين يمكن احنا



 بقلم/ ناصر زاهر

معالج بالموسيقى وباحث في أثر الفن على الإنسان

في مرة حد سألني وقال لي هو انت بتشتغل مع ذوي الهمم من سنين أكيد اتعودت عليهم


ابتسمت وقلت له الحقيقة لا


كل يوم بدخل الجلسة كأني داخل عالم جديد


لأن كل واحد فيهم بيعلمني حاجة ما عرفتهاش قبل كده


يمكن احنا طول عمرنا بنغلط لما نفتكر إن ذوي الهمم هم الناس المختلفين


الحقيقة إن الاختلاف مش عيب


العيب إننا بقينا بنقيس قيمة الإنسان بالحاجات اللي بتتشاف


بسرعة كلامه


بسرعة فهمه


بقدرته على الحركة


وبعدد الإنجازات اللي يقدر يحققها


ونسينا إن الإنسان في الأصل روح


والروح عمرها ما اتقاست بالأرقام


لما طفل بيتولد مختلف شوية عن باقي الأطفال الناس كلها بتبدأ تتكلم عن اللي ناقص فيه


لكن نادر جدا ما حد يسأل هو ربنا اداله إيه


يمكن لأنه عندنا عادة غريبة


إحنا بنشوف الغياب أسرع بكتير من ما بنشوف الحضور


نشوف اللي ناقص قبل اللي موجود


ونشوف الباب المقفول وننسى الشبابيك اللي مليانة نور


بقالي سنوات طويلة وسط ذوي الهمم


وفي كل مرة كنت فاكر إني داخل أدي جلسة موسيقى


اكتشفت إني داخل أتربى


لأن الطفل اللي الناس شايفاه محدود علمني معنى الصبر


والطفل اللي الناس شايفاه مختلف علمني معنى القبول


والطفل اللي الناس بتقول عليه مش بيعرف يعبر علمني إن المشاعر الصادقة مالهاش لغة


يكفي ابتسامة


يكفي نظرة


ويكفي صوت نغمة صادقة طالعة من قلب قبل ما تطلع من آلة


وهنا تبدأ حكاية الموسيقى


ناس كتير فاكرة إن الموسيقى مجرد نشاط لطيف أو وسيلة للتسلية


لكن الحقيقة أكبر بكتير


الموسيقى هي اللغة الوحيدة اللي ربنا خلقها من غير ترجمة


لغة يفهمها القلب قبل العقل


النغمة عمرها ما سألت اللي بيسمعها انت مين


ولا الإيقاع سأل طفل عنده توحد ولا متلازمة داون ولا إعاقة ذهنية ولا حتى طفل عادي


الإيقاع بيخبط على باب الروح


ولو الباب اتفتح مرة واحدة


كل حاجة بعد كده تبقى ممكنة


شفت أطفال أول كلمة نطقوها كانت بعد شهور من الغناء


وشفت أطفال كانوا بيهربوا من أي تواصل لكن أول ما يسمعوا الإيقاع يقربوا لوحدهم


وشفت عيون كانت مليانة خوف


وبعد دقائق من العزف بقت مليانة حياة


وساعات كنت ببص للمشهد وأسأل نفسي


هو اللي بيشتغل هنا مين


أنا


ولا الموسيقى


وبعدين اكتشفت إن الموسيقى مش هي اللي كانت بتغيرهم


الموسيقى كانت بس بتزيح الغبار عن الجمال اللي ربنا زرعه جواهم من يوم ما اتولدوا


كانت بتفك القفل


لكن النور كان موجود من البداية


العلم هيقول لك إن الموسيقى بتنشط مناطق كتير في المخ


وبتزود الانتباه


وتقوي الذاكرة


وتحسن التآزر الحركي


وتفتح أبواب التواصل


وده كله صحيح


لكن فيه حاجة العلم لحد النهارده ما يقدرش يقيسها


الأمل


إزاي أم كانت فاقدة الأمل ترجع تضحك


وإزاي أب كان شايف ابنه مستحيل يتغير يشوفه بيعزف أول لحن


وإزاي طفل كان حابس نفسه جوا عالمه يفتح شباك صغير ويقول للعالم أنا هنا


الموسيقى ما بتمحيش الإعاقة


لكنها بتمحي الإحساس بالعجز


ما بتغيرش الجسد


لكنها بتوقظ الروح


ولأنها بتخاطب الإنسان من جوه


فهي بتوصل لأماكن ما تعرفش الكلمات توصلها


يمكن عشان كده ربنا خلق الكون كله على إيقاع


نبض القلب إيقاع


والتنفس إيقاع


وتعاقب الليل والنهار إيقاع


وموج البحر إيقاع


وحتى خطواتنا على الأرض ليها إيقاع


وكأن الإنسان من أول لحظة في حياته مخلوق ليستجيب للموسيقى


مش لأنها مجرد أصوات


لكن لأنها جزء من النظام الإلهي اللي اتبنت عليه الحياة


ولو سألتني مين هم ذوي الهمم


هقول لك


هم الناس اللي ربنا اختار يعلمنا من خلالهم إن الإنسان مش بيتقاس بسرعته ولا بقوته ولا بدرجاته


الإنسان بيتقاس بقدرته على الحب


وبقدرته على النور اللي جواه


ولو سألتني عن الموسيقى


هقول لك


الموسيقى مش فن وبس


ولا علاج وبس


الموسيقى رحمة


ولما الرحمة تعزف


بتسكت الأحكام


وتختفي المسميات


وما يفضلش قدامك غير إنسان


يمكن ساعتها بس


هنكتشف إن ذوي الهمم ما كانوش أبدا هما المختلفين


وإن اللي كان محتاج يتأهل من البداية


هو قلب المجتمع


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية