نبض التاريخ وساعي المجد.. قناة السويس ملحمة إرادة لا تنكسر
كتبت / منى منصور السيد
تستيقظ الذاكرة الوطنية المصرية كلما عبرت سفينة عملاقة مياه قناة السويس، وكأن أمواج هذا الشريان العظيم تحكي للأجيال قصة وطن لا يركع، وحضارة صنعت من المستحيل مجداً. إنها ليست مجرد ممر ملاحي يختصر مسافات الجغرافيا ويربط بين بحرين، بل هي عروق تنبض بكرامة المصريين، ومرآة لروح أمة خاضت معارك البقاء والسيادة بقلوب من فولاذ وعقول تنبض بالعبقرية. حين نطرق باب التاريخ ونستعيد ما سطره اللواء دكتور سمير فرج في قراءته العميقة لهذا الممر الاستراتيجي، فإننا لا نقرأ مجرد سطور عابرة في كتاب الجغرافيا السياسية، بل نلج إلى ملحمة كفاح إنسانية متكاملة الأركان، بدأت جذورها تتشكل حين تولى الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مقاليد الحكم في مصر عقب ثورة يوليو عام 1952، عازماً على انتزاع حقوق مصر المسلوبة التي لم تكن تتجاوز ثلاثة بالمائة من أرباح قناة كانت تدر الذهب على الشركات الأجنبية وحدها بينما يُحرم أبناء الوطن من ثمار تعبهم.
لقد جاء قرار التأميم التاريخي إثر سحب الولايات المتحدة الأمريكية لتمويل السد العالي، ليمثل لحظة فارقة في عمر الكرامة العربية والمصرية. لم يكن قرار التأميم مجرد خطوة إدارية، بل كان صرخة مدوية في وجه الغطرسة الاستعمارية، ومخاطرة مدروسة بعناية فائقة تطلبت شجاعة نادرة ورؤية استراتيجية ثاقبة. وحين وقع الاختيار على المهندس العبقري محمود يونس لتنفيذ هذا القرار التاريخي، كانت الإدارة المصرية تكتب الفصل الأول من استقلالها الحقيقي، مستلامة مقاليد الأمور لتكتشف هول الإهمال المتعمد الذي مارسته الشركة الأجنبية عبر عقود طويلة لإجبار مصر على تمديد الامتياز وضغط اقتصادها الوطني. ولم يمض وقت طويل حتى بدأت حلقات المؤامرة الاستعمارية تضيق على مصر؛ فمن مؤتمر لندن الفاشل إلى محاولات التدويل البائسة، مروراً ببعثة رئيس وزراء أستراليا روبرت منزيس التي حملت في طياتها استعلاءً بغيضاً ومشروع قرار مغلفاً بكلمات الوقاحة والوصاية القائلة: "ارحلوا يا مصريين... سندير القناة بدلاً منكم"، لتصطدم تلك المحاولات بصخرة الرفض المصري القاطع الذي أكد أن كرامة الوطن خط أحمر لا يمس.
ولم تتوقف غطرسة المستعمرين عند محاولات التدويل الدبلوماسية، بل تحولت إلى عدوان غاشم تمثل في العدوان الثلاثي عام 1956، إثر اتفاق سيفر السري المبرم في أروقة باريس المظلمة بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، حيث تكالبت قوى البغي لتركيع مصر وإعادة إدارتها رغماً عن أنف تاريخها. غير أن العزيمة المصرية أثبتت للعالم أن الحق يعلو ولا يُعلَى عليه، فانكسرت شوكة المعتدين على ضفاف القناة وتكسرت أطماعهم أمام بسالة شعب وجيش. وفي خضم تلك المعركة القاسية، تجلت إنسانية القرار المصري والتزامه الأخلاقي حين سددت مصر تعويضات كاملة لحملة الأسهم بلغت نحو ثمانية وعشرين مليوناً وثلاث مئة ألف جنيه إسترليني قبل موعد استحقاقها بعام كامل، لتبرهن مصر للعالم أجمع أنها دولة مؤسسات وقانون وليست دولة سلب أو مصادرة.
ثم تتجلّى روعة الروح المصرية وتضحيات أبنائها في واحدة من أعظم صفحات الفداء حين انسحب المرشدون الأجانب تعمداً لتعطيل الملاحة وإثبات زيف ادعاء قدرتهم وحددهم، فما كان من المرشدين المصريين الأبطال، مدعومين بنخبة من المرشدين اليونانيين الأوفياء وبسواعد ضباط القوات البحرية، إلا أن صنعوا المعجزة. تسعة وثلاثون مرشداً مصرياً وأحد عشر مرشداً يونانياً وثلاثة أجانب فقط، نجحوا في إرشاد اثنتين وأربعين سفينة بكل اقتدار ومهارة فائقة في اليوم الأول لرحيلهم، مسجلين بمداد الفخر ملحمة وطنية خلدها الزعيم عبد الناصر بمنحهم وسام الاستحقاق تقديراً لبطولتهم النادرة.
واليوم، لا تزال هذه السيرة العطرة تمتد جذورها في عمق الحاضر والمستقبل لتزهر إنجازات عملاقة تعانق السماء. فتحت الإدارة المصرية الواعية وتوجيهات القيادة السياسية الممثلة في الرئيس عبد الفتاح السيسي، تشهد قناة السويس طفرة غير مسبوقة تواكب أحدث معايير العصر وصناعة السفن العالمية العملاقة ذات الغواطس الهائلة. ويأتي مشروع تطوير القطاع الجنوبي كشاهد حي على هذه النهضة، بطوله الذي يمتد لأربعين كيلومتراً، وازدواج مجراه لمسافة عشرة كيلومترات ليصل إجمالي الجزء المزدوج إلى اثنتين وثمانين كيلومترا، فضلاً عن أعمال التوسيع والتعميق التي زادت عرض المجرى أربعين متراً وعمقه إلى اثنين وسبعين قدماً، ليصبح عبور السفن أسرع وأكثر أماناً، ولتظل القناة خيار العالم الأول بلا منازع.
ولا تقف طموحات العقل المصري عند حدود الممر الملاحي، بل تمتد لتوطين الصناعة البحرية الحديثة داخل ترسانات بورسعيد والسويس بالشراكة مع القطاع الخاص، وتأسيس شركة قناة السويس للقوارب الحديثة التي تنافس عالمياً في بناء سفن أعالي البحار والقاطرات واليخوت الفاخرة، فضلاً عن امتلاك أكبر كراكتين في الشرق الأوسط بالتعاون مع ترسانة رويال الهولندية للحفاظ على أعماق القناة الدائمة عند أربعة وعشرين متراً ونصف المتر. إن قناة السويس، في الأمس واليوم وغداً، تظل الأيقونة النابضة بالحياة، والدرة التي تجسد عبقرية المكان وصلابة الإنسان المصري الذي لا يعرف المستحيل، ليظل هذا الشريان العظيم درعاً للوطن ونافذة نور تضيء مستقبل الإنسانية جمعاء.


تعليقات
إرسال تعليق