حين نُربي أبناءنا على الخوف… نصنع أجيالًا لا تعرف قيمة نفسها

 


بقلم: الإعلامي الدكتور أحمد شندي


ليست أخطر مشكلة في تربية أبنائنا أنهم لا يسمعون كلامنا… بل أن بعضهم، مع مرور الوقت، لم يعد يسمع صوته الداخلي، ولم يعد يعرف من هو، ولا ماذا يريد، ولا أين تكمن قيمته الحقيقية.


فالطفل الذي يكبر وهو يسمع المقارنات، ويشعر أن قيمته مرتبطة بدرجاته، وأن الحب مشروط بنجاحه، وأن الخطأ يجعله أقل شأنًا… قد يتحول مع الوقت إلى إنسان يخشى الفشل أكثر مما يحب النجاح.


وهنا تبدأ القضية الحقيقية في التربية.


لقد أشار عالم النفس ألفرد أدلر إلى أن الإنسان لا يتأثر بالأحداث وحدها، وإنما بالمعاني التي يصنعها عن نفسه من خلال تجاربه وعلاقاته بالآخرين منذ سنوات طفولته الأولى.


فالطفل لا يولد وهو يشعر بأنه أقل من غيره، لكنه قد يتعلم هذا الشعور عندما تتم مقارنته باستمرار، أو عندما يُقال له إن أخاه أفضل منه، أو إن زميله أكثر ذكاءً، أو عندما يشعر أن قيمته لا تُرى إلا من خلال إنجازاته.


ومن هنا تبدأ أخطر معركة تربوية…


ليست معركة تعديل السلوك، وإنما معركة بناء الإنسان من الداخل.


فالطالب الذي يرفض المشاركة في الفصل قد لا يكون قليل الثقة في الإجابة، بل قد يكون خائفًا من أن يخطئ أمام الآخرين، فيتحول خوفه من الخطأ إلى خوف من المحاولة.


والطفل الذي يثير المشكلات باستمرار قد لا يكون محبًا للفوضى، لكنه ربما يبحث عن الاهتمام، ويحاول أن يقول بطريقة غير مباشرة: “أنا هنا… انتبهوا إليّ… أشعروا بوجودي.”


والمراهق الذي يعاند والديه قد لا يكون رافضًا للنصيحة، لكنه ربما يبحث عن مساحة يشعر فيها بأنه شخص له رأي، وله قرار، وله قيمة.


ولهذا فإن التعامل مع السلوك الظاهر فقط، دون فهم الدافع النفسي الذي يقف خلفه، قد يجعلنا نعالج العرض ونترك السبب.


إننا أحيانًا ننجح في إسكات الطفل، لكننا نفشل في فهمه.


ونجبره على الطاعة، لكننا لا نعلمه كيف يفكر.


ونمنعه من الخطأ، لكننا لا نعلمه كيف يتعلم من أخطائه.


ونطالبه بالنجاح، دون أن نمنحه الشعور بأنه محبوب ومقبول حتى عندما يفشل.


وهنا يجب أن نسأل أنفسنا:


هل نريد أبناءً يخافون من الخطأ أمامنا… أم أبناءً يعرفون كيف يصححون أخطاءهم عندما نغيب؟


إن الطفل الذي يؤمن بأنه قادر، سيحاول.


والذي يؤمن أن الخطأ ليس نهاية الطريق، سيتعلم.


والذي يشعر بأنه محبوب ومقبول، سيكون أكثر قدرة على بناء علاقات صحية ومتوازنة.


أما الطفل الذي يحمل في داخله شعورًا دائمًا بأنه أقل من الآخرين، فقد يقضي سنوات طويلة يبحث عن قيمته في المكان الخطأ.


وهنا تظهر مسؤولية الأسرة والمدرسة والمجتمع.


فالكلمات التي نقولها لأبنائنا ليست مجرد كلمات عابرة؛ بعضها قد ينساه الطفل بعد دقائق، وبعضها قد يسكن داخله سنوات.


هناك فارق هائل بين أن تقول لطفلك:


“أنت أخطأت.”


وأن تقول له:


“أنت فاشل.”


الجملة الأولى تصف سلوكًا يمكن تغييره وتصحيحه، أما الثانية فقد تتحول إلى هوية يصدقها الطفل عن نفسه، ويبدأ في بناء حياته على أساسها.


لذلك، لا تجعلوا أبناءكم يخوضون معركة لإثبات أنهم يستحقون الحب.


لا تجعلوا نجاحهم هو الشرط الوحيد للفخر بهم.


لا تقارنوا طفلًا بغيره، فلكل إنسان طريقه، وقدراته، وظروفه، وموهبته التي ربما لم تكتشف بعد.


إن أعظم ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا ليس فقط تعليمهم كيف ينجحون، وإنما أن نعلمهم كيف يحبون أنفسهم دون غرور، وكيف يثقون بأنفسهم دون تكبر، وكيف يعترفون بأخطائهم دون أن يكرهوا ذواتهم.


فالتربية ليست صناعة أبناء مطيعين أمام أعيننا…


بل صناعة إنسان يمتلك وعيًا وضميرًا يجعلان منه شخصًا صالحًا حتى في غياب الرقيب.


فالمربي الحقيقي لا يكتفي بأن يغير سلوك الطفل، بل يساعده على اكتشاف الإنسان الذي بداخله.


وحين نبني إنسانًا يعرف قيمته، ويحترم الآخرين، ويتحمل مسؤولية قراراته، ويملك الشجاعة ليبدأ من جديد بعد كل سقوط…


فإننا لا نكون قد ربينا طفلًا فقط، بل نكون قد ساهمنا في بناء إنسان قادر على صناعة مستقبل أفضل.


وفي النهاية…


لا تسألوا أبناءكم فقط: ماذا فعلتم؟


بل اسألوهم أيضًا:


ماذا شعرتم؟ ماذا فكرتم؟ ماذا تعلمتم؟ وكيف ترون أنفسكم؟


فربما تكون الإجابة عن هذه الأسئلة أهم بكثير من معرفة درجاتهم ونتائجهم.


لأننا لا نربي أبناءنا ليكونوا ناجحين في أعين الناس فقط…


بل نربيهم ليكونوا أسوياء، واثقين، واعين، قادرين على أن يعيشوا بسلام مع أنفسهم ومع الآخرين.


صباحكم وعي… وصباح كل أب وأم يزرعون في أبنائهم الثقة بدلًا من الخوف، والحب بدلًا من المقارنة، والوعي بدلًا من القهر.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني