أسرى التوقع.. حين نستهلك أعمارنا في نيل الاستحسان


بقلم د. ولاء عابد

في رحلة الحياة كثيرا ما يجد المرء نفسه يخوض سباقا مجهدا لم يترشح له بكامل إرادته ويرتدي أقنعة لم يمتلك يوما شغف ارتدائها فقط لكي يرضي شريعة "التوقعات" التي يسنها المجتمع أو تمليها الثقافة السائدة أو ترسمها المنصات الرقمية براقة ولامعة. 


نكبر لنكتشف أننا دون أن ندري تحولنا إلى أسرى لتطلعات الآخرين ونعيش حيوات تصاغ مفرداتها وفق استحقاقات غيرنا على حساب حقيقتنا وسلامنا الداخلي.


تبدأ هذه الرحلة الشاقة مبكرا جدا من الرغبة الفطرية للإنسان في حوز القبول والانتماء. فنحن نصوغ أحلامنا الأولى لتوافق تطلعات الأهل وننتقي تخصصاتنا وخياراتنا المهنية لتلائم مقاييس النجاح الشائعة في نظر المحيطين ثم نؤطر تفاصيل حياتنا الشخصية والأسرية والشكلية لننال تصفيق المجتمع وتأييد الشاشات. 


بيد أن هذا السعي المحموم لنيل الاستحسان يتحول مع الوقت إلى نزيف وجداني مستمر فالمرء عندما يعتاد تقييم ذاته بعيون الآخرين يفقد تدريجيا قدرته على سماع صوته الداخلي الأصيل وتحول كلمة النقد البسيطة إلى زلزال يهدد بنيانه النفسي ليدخل في حلبة مفرغة من الركض الدائم لا يصل فيها ابدا إلى نقطة الاكتفاء أو الأمان.


وفي عصرنا الراهن تضاعفت ضراوة هذا الأسر بشكل غير مسبوق حيث تحول الاستحسان الاجتماعي من مجرد انطباعات شفهية إلى عملة رقمية تقاس بالإعجابات والمشاركات وتأييد العلن. 


لقد فرضت الثقافة الرقمية نماذج معلبة للشكل المثالي والبيت المثالي والمسار المهني الخالي من العثرات مما خلق بيئة خصبة للمقارنة القاتلة. 


هنا يتسلل الخطر الأكبر لفخ التوقع فهو لا يتوقف عند حدود الإرهاق النفسي بل يعمد إلى تجريد الإنسان من فرديته وأصالته. 


يُصبح الفرد نسخة مكررة من النماذج المصقولة يخاف من الاختلاف ويتهيب من التجربة ويخشى اتخاذ قرارات شجاعة تعبر عن ذاته الحقيقية مخافة أن يوصم بالفشل أو الخروج عن السرب. 


وتلك هي أسرع الطرق نحو الخيبة والندم المؤجل حين يكتشف الإنسان في أواخر الطريق أنه عاش عمرا كاملا ليرضي الجميع واستيقظ متأخرا ليجد أنه الوحيد الذي غاب عن مسرح حياته.


إن الخروج من معتقل التوقعات لا يعني على الإطلاق التمرد العشوائي أو الانفصال الصارم عن النسيج المجتمعي بل هو "مصالحة شجاعة واسترداد للملكية الذاتية". 


وتغدو البداية الحقيقية حين يعيد المرء صياغة تعريفه الخاص والمستقل للنجاح تعريفا ينبع من قيم جوهرية وما يحقق الرضا الفعلي لا مما يعتبر نجاحا في القواميس الشائعة. 


كما يتطلب هذا التعافي تفكيكا ذكيا للمقارنات واستيعابا بأن ما يعرض على المنصات وفي المجالس غالبا ما يكون مسرحا مصقولا للنتائج بينما تفاصيل المعاناة والضعف الإنساني تخفى خلف الكواليس.


إن النضج الحقيقي يبدأ عندما يدرك المرء أن "الرفض" أو "عدم الإعجاب" من الآخرين ليس حكما على قيمته الإنسانية وعندما يملك الشجاعة لوضع حدود صحية بين ما يقتنع به ويحبه وبين ما ينتظر منه مجاملة أو استرضاء. 


أن تختار نفسك بدون إضرار بالآخرين أو اعتذار عن إنسانيتك هو أعظم استثمار في سلامك النفسي واستقرارك الفكري. 


فالحياة أقصر من أن نعيشها كنسخة طبوغرافية من رغبات غيرنا والجمال الحقيقي للوجود يكمن في جراءة أن نكون "نحن" بصوتنا الأصيل وشغفنا الخالص وعثراتنا التي نتعلم منها بثبات.

تعليقات