برُّ الوالدين في العصر الحديث... عندما تهتز القيم وتدفع الأسرة الثمن
حديث الجمعة
بقلم/ منى منصور السيد
ليست الأمم بما تشيده من أبراج شاهقة، ولا بما تمتلكه من تقنيات متقدمة، وإنما بما تغرسه في نفوس أبنائها من قيم تحفظ للإنسان إنسانيته، وللأسرة تماسكها، وللمجتمع أمنه واستقراره. وحين تتراجع القيم، يبدأ التصدع من الداخل، فتضعف الروابط، وتبهت المشاعر، ويصبح البيت الذي كان يومًا واحةً للمودة والسكينة ساحةً للصراع والجفاء.
ومن بين القيم التي جعلها الإسلام أساسًا لاستقامة الحياة، يبرز بر الوالدين باعتباره فريضةً لا يحدها زمان، ولا تتغير بتغير أنماط الحياة. فقد قرن الله سبحانه وتعالى الإحسان إليهما بتوحيده، فقال عز وجل: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وما كان لهذا الترتيب أن يأتي عبثًا، وإنما ليؤكد أن المجتمع الذي يحفظ للوالدين مكانتهما هو مجتمع يحفظ لنفسه أسباب البقاء.
غير أن المتأمل في واقعنا اليوم يلحظ مفارقة مؤلمة؛ فكلما ازدادت وسائل الاتصال تطورًا، تراجعت في كثير من الأحيان جسور التواصل الحقيقي داخل الأسرة. أصبح الأب والأم يعيشان بين الأبناء، لكنهما قد يشعران بالوحدة، وأصبحت الأجهزة الذكية تستحوذ على الوقت الذي كان من حق الوالدين أن يملآه بالمودة والحوار والاهتمام.
لقد اختزل بعض الناس معنى البر في هدية موسمية، أو رسالة مقتضبة، أو اتصال عابر، بينما البر في جوهره موقف دائم، ولسان رقيق، وقلب رحيم، ويد تمتد بالعون قبل أن يُطلب منها. إنه وفاء لمن بذلا العمر كله دون انتظار مقابل، وسهرا الليالي، وتحملّا المشقة، حتى يقف الأبناء على أقدامهم.
ولعل أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس الفقر وحده، ولا الضغوط الاقتصادية وحدها، بل تآكل منظومة القيم داخل بعض الأسر. فما نشهده من جرائم أسرية مؤلمة، ومن صور للعقوق والعنف بين أقرب الناس بعضهم إلى بعض، ليس حدثًا عابرًا، بل جرس إنذار يدعونا إلى مراجعة أنفسنا، وإعادة الاعتبار للتربية التي تصنع الضمير قبل أن تصنع النجاح.
إن انتشار هذه الجرائم يرتبط بعوامل متعددة؛ منها ضعف الوازع الديني، وغياب القدوة، وتراجع الحوار الأسري، والانشغال المفرط بالعالم الرقمي، وتعاطي المخدرات، فضلًا عن الضغوط النفسية والاقتصادية التي قد تتحول إلى عنف إذا غابت الحكمة والرحمة. غير أن هذه العوامل، على خطورتها، لا تعفي الإنسان من مسؤوليته الأخلاقية، ولا تبرر أن تمتد يد إلى من كان سببًا في وجوده.
لقد كانت الأسرة المصرية والعربية، عبر تاريخها، مدرسةً للتراحم والتكافل، وكان احترام الكبير قيمةً راسخةً تنتقل من جيل إلى جيل. أما اليوم، فإن هذه القيم تحتاج إلى أن تُستعاد بالفعل لا بالشعارات، وأن تُغرس في البيوت قبل المدارس، وفي السلوك قبل الكلمات.
إن بر الوالدين ليس عبادة فردية فحسب، بل مشروع حضاري يحمي الأسرة من التفكك، ويصنع أجيالًا تعرف معنى المسؤولية والرحمة والوفاء. فكل ابن يحسن إلى والديه يقدم درسًا عمليًا لأبنائه، وكل بيت يفيض بالمودة يضيف لبنة جديدة في بناء مجتمع أكثر أمنًا واستقرارًا.
وفي هذا اليوم المبارك، يوم الجمعة، لنجعل من هذه الوقفة فرصةً لمراجعة علاقتنا بآبائنا وأمهاتنا. فلعل كلمة طيبة تُقال، أو زيارة تُدخل السرور، أو دعوة صادقة تخرج من قلب أم، تكون سببًا في فتح أبواب الخير والتوفيق.
إن الأوطان القوية لا تبدأ من المؤسسات الكبرى، بل تبدأ من بيتٍ يعرف فيه الأبناء قيمة الأم، ويُدركون مكانة الأب، ويؤمنون أن بر الوالدين ليس واجبًا اجتماعيًا فحسب، بل عهدٌ مع الله، وأمانةٌ في أعناق الأبناء، وجسرٌ تعبر عليه المجتمعات نحو مستقبل أكثر رحمةً وإنسانية.
﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.

تعليقات
إرسال تعليق