حين مات ما بداخلي
بقلم الاعلاميه/ رانيا جمال
هناك لحظات لا يموت فيها الجسد، بل تموت أشياء لا يراها أحد. يموت الحماس، وتذبل الأحلام، وتغادر الطمأنينة، ويبقى الإنسان واقفًا على قدميه، بينما داخله قد انهار منذ زمن.
"حين مات ما بداخلي"... لم يكن ذلك بسبب خسارة واحدة، ولا بسبب موقف عابر، بل كان نتيجة تراكم طويل من الخيبات، والخذلان، والصمت الذي ابتلع الكلمات حتى أصبحت الروح عاجزة عن البوح.
كم هو مؤلم أن تستيقظ يومًا فتجد أن الأشياء التي كانت تمنحك الحياة لم تعد تعني لك شيئًا. الأغنيات التي أحببتها، والوجوه التي كانت تبعث الدفء، والأماكن التي احتضنت ذكرياتك... كلها أصبحت مجرد تفاصيل باهتة لا توقظ في قلبك سوى الصمت.
يموت الداخل عندما يعتاد الإنسان أن يكون قويًا في كل مرة، حتى ينسى كيف يطلب المساندة. عندما يبتسم ليطمئن الآخرين، بينما يخفي خلف ابتسامته ألف وجع لا يراه أحد. وعندما يمنح الجميع الحب، ثم يلتفت فلا يجد يدًا تمتد إليه في أكثر لحظاته احتياجًا.
لكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون أن ما يموت في داخل الإنسان ليس نهاية الحكاية، بل قد يكون بداية جديدة. فبعد كل انكسار يولد وعي مختلف، وبعد كل ظلام يشرق نور يبحث عن طريقه. قد تتغير القلوب، وقد تبهت المشاعر، لكن الله قادر على أن يحيي في النفس ما ظنناه قد مات إلى الأبد.
ليس العيب أن تنكسر، فالرياح تعصف بأقوى الأشجار، لكنها تعود لتورق من جديد. العيب الوحيد أن تستسلم لفكرة أن النهاية قد كُتبت، بينما الأقدار لا تزال تحمل لك ما لم تتوقعه.
لذلك، إذا شعرت يومًا أن ما بداخلك قد مات، فلا تتعجل إصدار الحكم الأخير. امنح روحك فرصة للشفاء، وامنح قلبك وقتًا ليستعيد نبضه، وتمسك بالأمل مهما بدا بعيدًا. فالحياة لا تتوقف عند بابٍ أُغلق، بل تفتح أبوابًا أخرى لمن يؤمن بأن رحمة الله أوسع من كل ألم، وأن الفجر لا بد أن يأتي مهما طال الليل.

تعليقات
إرسال تعليق