تغيير العالم عملية مريحة بشكلٍ مريب


كتب /أحمد عبدالله الزنگنة

منذُ زمنٍ طويل، وأنا أراقب هذا المحبس الضيق الذي ندعوه بالوجود. ينظر المرء من ثقب بابه الضئيل إلى الخارج، فيرى العالم شاسعاً، ممتلئاً بالخراب والتداعي، يراه جحيماً مكتمل الأركان؛ فيصرخ، ويحتج، ويرسم في خياله خططاً هائلة لإعادة تشكيل هذا الفضاء المترامي. لكنه، وفي غمرة حماسته المظلمة لتعديل حركة المَجَرّات وصياغة القوانين الجسيمة، ينسى دائماً أن يلتفت إلى الغرفة الصامتة التي يقف في منتصفها، إلى الهيكل المتداعي الذي يرتديه، إلى نفسه.

إنها مفارقة يدعو أصلها إلى الذعر والذهول. كيف لمهندسٍ عاجز عن رميم الكراسي المكسورة في حجرته، أن يتصدى لبناء سماءٍ جديدة؟ إننا نرى البشر يندفعون بضجيجٍ كئيب نحو القضايا الكبرى، يطالبون بردم الهوة التي تفصل العالم عن الفضيلة، وكأنهم كائنات ملائكية طرأت للتو على هذه الأرض ولا تحمل في داخلها ذرة من هذا التلوث. يحاربون الجحيم الخارجي بشراسة زنيقة، هرباً من مواجهة الجحيم الأكثر رعباً الذي يربض في صدورهم.

؛ إنها تمنح المرء شعوراً مزيفاً بالنبل والخلاص، وتلقي باللائمة دائماً على "الآخرين"، على النظم، على القدر، على الجدار الذي يسد الطريق. إنها بطولية سهلة، لأنها لا تتطلب سوى الاحتجاج وإلقاء الخطب أمام المحاكم الغائبة. أما التطلع إلى الداخل؟ فهو المحاكمة الحقيقية التي يفر منها الجميع. إن الوقوف أمام المرآة دون مواربة، وتجريد النفس من أوهامها الفاضلة، وفحص الأجزاء المظلمة والمشوهة في أعماقنا، هو ذعرٌ لا يطيقه هؤلاء المتطوعون لإنقاذ البشرية.

نحن نعيش في كابوسٍ دائم لأننا نرفض أن نستيقظ داخل ذواتنا أولاً. نريد من العالم أن يتطهر، بينما نصرّ على الاحتفاظ بقعنا الخاصة، معتقدين أنها أخطاء صغيرة لا تعطل حركة الكون. لكن العالم، في حقيقته، ليس إلا المجموع الغاشم لهذه الذوات الصغيرة المهملة. إنه الصدى المتضخم لخرابنا الداخلي.

ما أشد العبث في أن تحاول إيقاف الحريق الشامل الذي يلتهم المدينة، بينما أنت تحمل في جيبك شعلةً لا تتوقف عن إحراق بيتك الصغير! إن هذا الإصرار على إصلاح الخارج مع إهمال الداخل ليس مجرد غفلة، بل هو نوع من الخداع الذاتي المنظم؛ محاولة بائسة للتملص من المسؤولية الفردية. فالمرء يفضل أن يغرق في ضجيج القضايا العامة، على أن يجلس في صمتٍ قاتل ليرى الكائن المشوه الذي أصبح عليه.

إن العالم لن يتغير بقرارٍ جماعي يصدر عن أرواحٍ لم تتغير. سيبقى هذا الجحيم قائماً وممتداً، يتغذى على هربنا المستمر من ذواتنا، وعلى ظننا الفاسد بأننا برداءة العالم غير معنيين، وأن المحاكمة تخص الجميع... إلا السجين الذي يقف في منتصف الحجرة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني