عندما تعزف الموسيقى على أوتار الروح وتشفى ما عجزت الكلمات عن لمسه


كتب /ناصر زاهر
منذ آلاف السنين والإنسان يبحث عن العلاج في الأعشاب ثم في العقاقير ثم في الجراحة ثم في التكنولوجيا وكلما تقدم العلم اكتشف أن الإنسان ليس جسدا فقط وأن المرض لا يسكن العضو وحده بل قد يسكن فكرة وقد يختبئ داخل ذكرى وقد يولد من خوف طويل أو حزن لم يجد طريقه إلى البكاء

ولهذا ظل سؤال كبير يرافق البشرية كيف نعالج الإنسان كله وليس جزءا منه

هنا تبدأ الموسيقى في الظهور بصورة مختلفة تماما

ليست كفن يملأ المسارح ولا كوسيلة للترفيه ولا كخلفية جميلة للحياة بل كلغة قديمة سبقت الكلمات نفسها

فالطفل وهو ما زال في رحم أمه لا يفهم لغة البشر لكنه يسمع الإيقاع ويشعر بالنبض ويستجيب للنغم ولهذا فإن أول علاقة بين الإنسان والعالم لم تكن عبر العين وإنما عبر الصوت

ومن هنا نفهم أن الموسيقى ليست شيئا أضيف إلى الإنسان بل هي جزء من تكوينه منذ بداية رحلته

لكن ما الذي يحدث داخل الإنسان عندما يسمع موسيقى تلامس أعماقه

الجسد يستجيب بطريقة يمكن للعلم أن يدرسها فإيقاع التنفس قد يهدأ ومعدل نبض القلب قد يتغير وبعض الشبكات العصبية تنشط أو تهدأ وفقا لنوع الموسيقى وطريقة استخدامها داخل جلسة علاجية مدروسة

أما النفس فتحدث فيها أمور لا تقاس بالأجهزة وحدها

قد يجد الإنسان نفسه يبكي دون أن يعرف السبب

وقد يشعر براحة لم يعرفها منذ سنوات

وقد يتذكر موقفا دفنه الزمن ثم يبدأ في التصالح معه

وقد يعبر عن غضبه من خلال الإيقاع بدلا من أن يؤذي نفسه أو الآخرين

وقد يكتشف أنه ما زال قادرا على الفرح رغم كل ما مر به

وهنا تظهر عبقرية العلاج بالموسيقى لأنه لا يجبر النفس على الكلام بل يمنحها مساحة آمنة للتعبير

أما الروح فهي عالم آخر

الروح لا تحتاج إلى الضجيج لأنها تسمع ما وراء الأصوات

ولذلك فإن هناك ألحانا لا نستطيع تفسير تأثيرها لكنها تترك داخلنا نورا غريبا وكأنها تذكرنا بشيء فقدناه منذ زمن

الروح لا تشفى بالموسيقى لأن الموسيقى تمتلك قوة سحرية كما يظن البعض وإنما لأنها قد تساعد الإنسان على السكون والانتباه والاتصال بأعمق ما بداخله وهذا الاتصال قد يكون بداية رحلة التعافي

ولهذا فإن الموسيقى ليست بديلا عن الإيمان وليست بديلا عن العلاج الطبي وليست بديلا عن العلاج النفسي عندما يكون ضروريا لكنها قد تكون جسرا يصل بين هذه العوالم جميعا عندما تستخدم بعلم ومسؤولية

ولهذا السبب نجد أن العلاج بالموسيقى لم يعد مجرد فكرة رومانسية بل أصبح تخصصا أكاديميا معترفا به في دول كثيرة ويعمل فيه متخصصون يدرسون علم النفس وعلم الأعصاب والسلوك الإنساني والموسيقى معا لأنهم يعلمون أن كل إنسان يحمل قصة مختلفة وأن اللحن الذي يهدئ شخصا قد لا يناسب شخصا آخر

فالإنسان ليس آلة تضبط بزر واحد

لكل نفس إيقاعها

ولكل روح نافذتها

ولكل قلب مفتاحه الخاص

ولهذا فإن المعالج الحقيقي لا يبحث عن أجمل مقطوعة موسيقية بل يبحث عن الموسيقى المناسبة لهذا الإنسان في هذه اللحظة من حياته

ربما يكون العلاج في نغمة بيانو هادئة

وربما يكون في صوت الناي

وربما يكون في دقات الطبول التي تعيد تنظيم الإيقاع الداخلي

وربما يكون في غناء جماعي يعيد للإنسان شعوره بالانتماء

وربما يكون في أن يعزف المريض بنفسه نغمة بسيطة لأول مرة فيكتشف أنه ما زال قادرا على صناعة الجمال رغم الألم

ومن خلال سنوات العمل مع الأطفال وكبار السن وذوي الهمم أدركت أن الموسيقى تكشف ما لا تكشفه الاختبارات وأنها تفتح أبوابا يعجز عنها الحوار أحيانا فهناك طفل لا ينظر في عيون أحد لكنه يبتسم عندما يسمع لحنا يحبه وهناك مسن فقد كثيرا من ذاكرته لكنه يتذكر أغنية قديمة بكل تفاصيلها وهناك شخص يعيش خلف جدار من الصمت فإذا أعطيته آلة موسيقية بدأ يحكي حياته دون كلمة واحدة

إننا في حاجة إلى أن ننظر إلى الموسيقى بعين جديدة

ليست كماليات للحياة

وليست ترفا ثقافيا

وليست وسيلة لقتل الوقت

بل واحدة من أكثر اللغات الإنسانية قدرة على إعادة بناء الجسور بين الإنسان ونفسه وبين الإنسان والآخرين

وربما يأتي اليوم الذي ندرك فيه أن بعض الجراح لا تحتاج إلى مزيد من الكلام بل تحتاج إلى الإصغاء وأن بعض الأرواح لا تنتظر نصيحة جديدة بل تنتظر لحنا صادقا يعيد إليها توازنها الداخلي

عندما يحدث ذلك سنكتشف أن الموسيقى لم تكن تعالج الآذان فقط بل كانت منذ البداية تعزف على أوتار الروح حتى تستيقظ النفس من تعبها ويستعيد الإنسان إنسانيته




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني