هل يشيخ الدماغ مع العمر... أم مع قلة التعلُّم؟



كتبت /حفصة محمود

يخشى كثير من الناس التقدم في العمر، معتقدين أن ضعف الذاكرة وتراجع القدرات العقلية أمرٌ لا مفر منه. لكن العلم الحديث يحمل مفاجأة مدهشة: الدماغ لا يشيخ بالسنوات وحدها، بل قد يشيخ أسرع عندما يتوقف عن التعلُّم.


لعقودٍ طويلة اعتقد العلماء أن خلايا الدماغ لا تتجدد، لكن أبحاثًا حديثة غيّرت هذه الفكرة. فقد أوضح عالم الأعصاب الأمريكي إريك كاندل (Eric Kandel)، الحائز على جائزة نوبل في الطب، أن التعلم المستمر يُحدث تغيرات في الوصلات العصبية، فيقوي الشبكات المسؤولة عن الذاكرة والتفكير. كما أظهرت أبحاث عالم الأعصاب الكندي مايكل ميرزينيش (Michael Merzenich) أن الدماغ يحتفظ بقدرته على إعادة تنظيم نفسه حتى في مراحل متقدمة من العمر، وهي الظاهرة المعروفة باسم المرونة العصبية (Neuroplasticity).


وتشير دراسات من جامعة هارفارد وجامعة أكسفورد إلى أن الأشخاص الذين يواصلون القراءة، وتعلم اللغات، واكتساب المهارات الجديدة، يكونون أقل عرضة للتدهور المعرفي مع التقدم في العمر، مقارنة بمن يعيشون حياة ذهنية خاملة. كما أن النشاط البدني المنتظم، والنوم الجيد، والتواصل الاجتماعي، عوامل تساعد على الحفاظ على صحة الدماغ.


ومن الناحية الطبية، يحتوي الدماغ على نحو 86 مليار خلية عصبية تعمل عبر تريليونات الوصلات العصبية. وكلما تعلم الإنسان شيئًا جديدًا، ازدادت قوة بعض هذه الوصلات، بينما يؤدي الإهمال الذهني وقلة النشاط العقلي إلى ضعف كفاءة بعض الشبكات العصبية مع مرور الوقت.


وقد دعا الإسلام إلى طلب العلم طوال حياة الإنسان، فقال الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]، وهي الآية الوحيدة التي أُمر فيها النبي ﷺ أن يطلب الزيادة من شيء بعينه، وهو العلم. وقال رسول الله ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» (رواه مسلم). إنها رسالة تؤكد أن التعلم ليس مرحلة عمرية، بل أسلوب حياة.


وللحفاظ على شباب دماغك، اقرأ كل يوم، وتعلم مهارة جديدة، ومارس الرياضة، وقلل من الجلوس الطويل أمام الشاشات، واهتم بنومك، ودرّب ذاكرتك بالحفظ والتفكير وحل المشكلات.


إن العمر الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات، بل بقدرة العقل على أن يظل فضوليًا، متعلمًا، ومحبًا للمعرفة. فقد يشيب الشعر، لكن الدماغ الذي يتعلم كل يوم... يظل شابًا مهما تقدمت به السنون.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني