رسالة من السماء… حين اهتزت الأرض وتجلّى لطف الله بمصر
كتب /معالى اللواء سامى محمود دنيا
ليست كل الزلازل تُقاس بدرجات مقياس ريختر، فهناك زلازل تهز الأرض، وأخرى تهز القلوب، وثالثة توقظ الضمائر الغافلة. وما شهدناه فجر الأمس لم يكن مجرد حدث جيولوجي عابر، بل كان لحظة تستحق الوقوف والتأمل، وتجديد الشكر لله سبحانه وتعالى على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى.
زلزال فجر الأمس بلغت قوته نحو 5.7 إلى 5.9 درجات، وهي قوة كبيرة بكل المقاييس، ومع ذلك كانت الخسائر تكاد تكون معدومة، بينما تسبب زلزال عام 1992، الذي بلغت قوته نحو 6.2 درجات، في خسائر بشرية ومادية جسيمة. والأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة، فهناك لطف إلهي لا تستطيع أجهزة القياس أن تحسبه، ورحمة من الله تتجاوز كل الحسابات العلمية.
إن الكوارث الطبيعية تذكر الإنسان بحقيقته، مهما بلغ من علم أو قوة أو تقدم تكنولوجي. فحين تتحرك الأرض تحت الأقدام، يدرك الجميع أن القوة المطلقة ليست للبشر، وإنما لله سبحانه وتعالى، القائل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. الزلازل ليست مجرد ظواهر طبيعية، بل هي آيات من آيات الله، تحمل في طياتها العظة والعبرة، وتدعو الإنسان إلى مراجعة نفسه، والعودة إلى ربه، والإكثار من الطاعات، وترك المعاصي، واستشعار نعم الله التي اعتادها حتى نسي قيمتها.
ولقد أثبت التاريخ أن أعظم دول العالم، بما تمتلكه من إمكانات هائلة، تقف عاجزة أمام غضبة الطبيعة. فكم من دول استعانت بعشرات الدول وفرق الإنقاذ الدولية بعد الزلازل المدمرة، ورغم ذلك بقيت الخسائر فادحة والآلام عميقة. فهذه الكوارث تذكر البشرية جميعًا بأن الإنسان مهما امتلك من أسباب القوة، فإن إرادة الله فوق كل إرادة، وقدرته فوق كل قدرة. النجاة من الكوارث ليست إنجازًا بشريًا خالصًا، وإنما هي أولًا وآخرًا فضل من الله، ورحمة منه، ولطف يحيط بعباده.
ولعل ما يدعو إلى التأمل أن مصر، خلال أيام قليلة، مرت بلحظات كان يمكن أن تتحول إلى كوارث كبرى، لكن لطف الله سبق كل الأسباب. حادثة ميناء دمياط انتهت دون السيناريو الكارثي الذي كان يخشاه الجميع، ثم جاء زلزال الفجر بقوة كبيرة، لكن الله صرف عن البلاد والعباد الخسائر والدمار. إنها نعم تستوجب الحمد، ورسائل تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا، لا بالخوف وحده، بل بالشكر والتوبة والعمل الصالح.
ومن الناحية العلمية، فإن عمق الزلزال كان ضحلًا نسبيًا، وهو ما يجعل تأثيره في العادة أكثر خطورة على المناطق القريبة من مركزه، إذ إن الزلازل الأقل عمقًا غالبًا ما تكون أشد تأثيرًا على سطح الأرض من الزلازل العميقة ذات القوة نفسها. ومع ذلك، جاءت العواقب أخف مما كان يمكن أن يتوقعه كثير من المختصين، وهو ما يدعو إلى مزيد من الامتنان لله دون إغفال أهمية الأخذ بالأسباب والاستعداد للكوارث.
الحمد لله الذي حفظ مصر، والحمد لله الذي رأف بشعبها، والحمد لله الذي جعل لطفه أعظم من كل المخاوف، وأوسع من كل التوقعات. وزلزال فجر أمس وتوابعه التي جاءت ضعيفة لم يشعر بها أحد دون أن يتسبب في أي خسائر تذكر. الحمد لله مصر ليست دولة ظالمة ولا معتدية، والحمد لله مصر وشعبها ليسوا متكبرين ولا متغطرسين ولا متجبرين على أحد. والحمد لله ربنا رأف بينا من العذاب ورحمنا من العقاب، لكن الرسالة واضحة لكل واحد فينا: احمدوا ربكم واشكروه وعودوا إليه عودًا جميلًا.
لماذا نقول لطف ربنا كبير والزلزال أخطر من زلزال عام 92؟ لأن الزلزال كان على عمق 10 كم، وهذا في حسابات الزلازل يعتبر على وش الأرض، وكلما قل العمق زادت خطورة الزلازل. إذن لو على الحسابات، لكان الزلزال مدمرًا وكارثيًا حرفيًا.
فلنجعل من هذه اللحظات فرصة لمراجعة أنفسنا، ولنكثر من الاستغفار، ونحافظ على الصلاة، ونصلح ما بيننا وبين الله، فخير ما نستقبل به رسائل السماء هو صدق التوبة، وشكر النعمة، والإحسان إلى الناس.
اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك، وادفع عنا البلاء والزلازل والمحن وجميع الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأبدل خوفنا أمنًا، وقلقنا سكينة، واحفظ مصر وأهلها وسائر بلاد المسلمين من كل سوء. حفظ الله مصر وشعبها، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان، وجعلها دائمًا بلدًا آمنًا مطمئنًا بإذنه تعالى.
تعليقي الختامي: مهما بلغت قوة الإنسان، تبقى قدرة الله فوق كل قدرة، ومهما تقدمت العلوم، يبقى لطف الله هو أعظم أسباب النجاة. فلنحمد الله على نعمه، ولنعتبر بما نراه حولنا، ولنجعل من كل ابتلاء يمر بسلام دافعًا إلى شكر المنعم، والعودة إليه بقلب صادق، فبالشكر تدوم النعم، وبالطاعة يحفظ الله الأوطان والشعوب.
وصلّوا على الحبيب المصطفى. بحبكم في الله.

تعليقات
إرسال تعليق