ليس الغنيُّ من يملك الخير… بل من يسكن الخيرُ قلبه


كتب /معالى اللواء سامى محمود دنيا
هناك فرقٌ شاسع بين إنسانٍ عنده الخير، وإنسانٍ فيه الخير…
فالأول قد يملك المال، والجاه، والعلم، والسلطة، وكل أسباب العطاء، لكنه يبخل، ويقسو، ويتكبر، ويمنّ بما أعطى، فلا يجد الناس في قربه دفئًا، ولا في حضوره رحمة.
أما الثاني… فقد لا يملك إلا قلبًا عامرًا بالإيمان، ونفسًا راضية، وابتسامةً صادقة، وكلمةً طيبة، ودعوةً خالصة بظهر الغيب، فيصبح وجوده نعمة، وأثره بركة، وذكراه طيبًا لا يغيب.
فلا تبحثوا عن الشخص الذي عنده الخير… بل ابحثوا عن الشخص الذي فيه الخير.
فالخير الحقيقي لا يُقاس بما تملكه اليد، وإنما بما يحمله القلب. قد ترى فقيرًا يسبق الأغنياء إلى الكرم، وضعيفًا يسبق الأقوياء إلى الشهامة، ومجهولًا يترك في القلوب أثرًا لا يتركه أصحاب المناصب والألقاب.
وما أكثر الذين عندهم الخير… ولكن لا خير فيهم!
امتلكوا النعمة، وفقدوا الرحمة.
جمعوا المال، وخسروا المحبة.
عمرت خزائنهم، وخلت قلوبهم.
فصاروا أغنياء في الحسابات… فقراء في الإنسانية.
إن القلب الذي امتلأ بالإيمان لا يعرف الحسد طريقًا إليه، لأن صاحبه أيقن أن الله سبحانه قسم الأرزاق بحكمة، وأعطى كل إنسان نصيبه في الوقت الذي يريده سبحانه.
ولذلك فإن الإنسان الراضي لا يرهقه النظر إلى ما في أيدي الناس، ولا يستهلك عمره في مقارنة نفسه بغيره، ولا يحترق قلبه لأن فلانًا زادت نعمته أو علت منزلته، بل يقول في يقين المؤمن:
“اللهم بارك لهم… وارزقني من فضلك.”
إن الرضا ليس استسلامًا، بل هو أعلى درجات الثقة بالله.
والقناعة ليست فقرًا، بل هي أغنى كنوز الحياة.
ومن عرف الله حق المعرفة، علم أن ما عند الناس ينفد، وما عند الله باقٍ، وأن رزقك لن يأخذه غيرك، وما لم يُكتب لك فلن تناله ولو اجتمع أهل الأرض جميعًا.
فاجعل قلبك مستودعًا للخير قبل أن تجعل بيتك مستودعًا للأموال.
وازرع الرحمة قبل أن تجمع الثروة.
وابحث عن أثرٍ جميل يبقى بعد رحيلك، فالأعمار قصيرة، أما الأخلاق فهي العمر الذي لا يموت.
ليس أعظم الناس من كثرت ممتلكاته… وإنما أعظمهم من كثرت بصماته البيضاء في قلوب الخلق.
اللهم ارزقنا قلوبًا سليمة، ونفوسًا راضية، وأخلاقًا زكية، وأيدٍ لا تمتد إلا بالخير، وألسنةً لا تنطق إلا بالحق، واجعلنا ممن إذا حضروا أضاءوا المكان، وإذا غابوا تركوا أجمل الأثر، واملأ قلوبنا بالإيمان والرضا، وبارك لنا فيما قسمت، إنك على كل شيء قدير.
وصلّوا على الحبيب المصطفى
بحبكم في الله…


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني