من الهجرة إلى الإعمار... عودوا إلى أوطانكم

  



 كتب /الكاتب. أحمد مختار

أما آن الأوان أن نعيد التفكير في علاقتنا بأوطاننا؟ أما آن أن ندرك أن الوطن لا يُبنى من بعيد، ولا يستعيد عافيته بالشكوى والحسرة، وإنما بأبنائه الذين يعودون إليه بالعلم والخبرة والمال والعمل؟

منذ سنوات والمنطقة العربية تنزف. دول كانت بالأمس قوية وموحدة أصبحت اليوم ساحات للحروب والانقسامات والتدخلات الخارجية. سوريا والسودان وليبيا واليمن، وفلسطين التي ما زالت تقاوم، نماذج تؤكد أن إضعاف الدولة الوطنية لا يفتح الباب للفوضى فقط، بل يفتح الباب أيضًا أمام الآخرين لفرض مشاريعهم ومصالحهم على الأرض.

سوريا اليوم تحتاج إلى استعادة الدولة ووحدة الأرض، وإعادة إعمار ما دمرته سنوات الحرب، ومنع تحول مناطق النفوذ إلى واقع دائم. ولا يمكن أن تبقى الأراضي السورية، وخاصة الجنوب، ساحة مفتوحة للتدخل والاحتلال والتوسع الإسرائيلي، بينما ينتظر أبناء سوريا من الآخرين أن يعيدوا بناء وطنهم. فالسؤال ليس فقط: من تسبب في هذا الخراب؟ وإنما أيضًا: متى يعود السوريون إلى وطنهم ليبنوا ما تهدم ويحافظوا على ما تبقى؟

والسودان لا يختلف كثيرًا. دولة تملك الأرض والمياه والثروات والموقع الاستراتيجي، لكنها تدفع ثمن الحرب والانقسام. وكلما طال الصراع اتسعت التدخلات الخارجية وأصبح خطر التقسيم ونهب الثروات أكبر. ولن يستعيد السودان قوته إلا باستعادة الدولة الوطنية، وتوحيد السلاح تحت مؤسسة وطنية واحدة، ثم إطلاق عملية واسعة لإعادة الإعمار والتنمية.

وهنا يأتي الدور المصري الذي يتجاوز حدود التضامن السياسي. فمصر تملك خبرات بشرية وهندسية وفنية كبيرة، وشركات وطنية وخاصة قادرة على تنفيذ مشروعات الطرق والكباري والموانئ والكهرباء والمياه والإسكان والزراعة والبنية الأساسية. ويمكن لهذه الشركات، عندما تستقر الأوضاع، أن تكون شريكًا رئيسيًا في إعادة إعمار السودان وسوريا وليبيا وغيرها من الدول العربية.

ومن المهم أيضًا أن ندرك أن تمويل إعادة الإعمار لا يعني بالضرورة انتظار المساعدات والقروض الخارجية. فكثير من هذه الدول تمتلك ثروات يمكن أن تكون أساسًا حقيقيًا لتمويل نهضتها إذا عادت إليها الدولة والاستقرار وحُسنت إدارة مواردها. فليبيا تملك النفط والغاز، والعراق ثروة نفطية هائلة، والسودان يملك الذهب إلى جانب الموارد الزراعية والثروات المعدنية، فضلًا عن موارد متنوعة في دول عربية أخرى. ويمكن لهذه الثروات، بإدارة وطنية رشيدة وشفافة، أن تتحول من مصدر للصراع والنهب إلى مصدر للبناء والتنمية. فالمشكلة ليست دائمًا في غياب الثروة، وإنما في غياب الاستقرار والإدارة التي تحميها وتوجهها لصالح الشعوب.

فإعادة الإعمار ليست مجرد بناء مبانٍ جديدة، وإنما إعادة الحياة إلى المدن والقرى، وتشغيل المصانع، وإصلاح الطرق والمطارات والموانئ، وإعادة شبكات المياه والكهرباء، وبناء المدارس والمستشفيات، وخلق فرص العمل للشباب. والأهم أن يتم ذلك بأيدي أبناء الوطن وبالشراكة مع الشركات العربية، حتى يتحول الإعمار إلى مشروع عربي مشترك، لا إلى فرصة جديدة للهيمنة من الخارج.

ومصر نفسها تدرك أن أمنها لا ينفصل عن أمن محيطها. فاستقرار السودان يمثل عمقًا استراتيجيًا لمصر، واستقرار ليبيا يؤمن حدودها الغربية، وعودة سوريا إلى دورها الطبيعي تعيد التوازن إلى المشرق العربي، بينما تظل فلسطين قضية عربية مركزية. ولذلك فإن مساعدة الدول العربية على استعادة قوتها ليست عملًا خيريًا، وإنما استثمار في الأمن القومي العربي المشترك.

لكن السؤال الأهم يبقى: أين أبناء هذه الأوطان؟

لقد خرج الملايين بحثًا عن الأمان والعمل، ونجح كثيرون في بناء أنفسهم في دول أخرى، واكتسبوا علومًا وخبرات ورؤوس أموال. وهذه ثروة هائلة لا ينبغي أن تضيع. وليس المطلوب أن يعود الجميع غدًا، فلكل إنسان ظروفه ومسؤولياته، وإنما المطلوب أن يتحول الاغتراب من هجرة بلا نهاية إلى جسر يعود عبره العلم والخبرة والاستثمار إلى الوطن.

فالشاب الذي تعلم في الخارج يستطيع أن ينقل خبرته، والطبيب أن يساهم في بناء منظومة صحية، والمهندس أن يشارك في الإعمار، ورجل الأعمال أن يستثمر، والعامل أن يعود بخبرة اكتسبها خلال سنوات غربته. وهكذا تتحول الهجرة من استنزاف للعقول والطاقات إلى قوة تدفع الوطن إلى الأمام.

لقد أثبت التاريخ أن الفراغ لا يبقى فراغًا. عندما يترك أبناء الوطن أرضهم، يأتي آخرون لملء الفراغ. وعندما تنهار مؤسسات الدولة، يسارع أصحاب المصالح إلى إعادة تشكيلها وفق رؤيتهم. وعندما تترك الثروات بلا حماية، يجد الطامعون طريقهم إليها.

لذلك فإن معركة المرحلة القادمة ليست فقط سياسية أو عسكرية، وإنما معركة بناء وإعمار وتنمية. نحتاج إلى أن يعود العربي إلى وطنه، أو على الأقل أن يظل مرتبطًا به، وأن يصبح جزءًا من مشروع نهضته، بدل أن يكون الوطن مجرد مكان نحلم بالعودة إليه يومًا ما.

لقد تعودنا أن نسأل: من سينقذ أوطاننا؟ وربما آن الأوان أن نغير السؤال: ماذا سنفعل نحن من أجل أوطاننا؟

فالأوطان لا تُسلَّم جاهزة للأجيال، وإنما يبنيها كل جيل ثم يسلمها لمن بعده.

عودوا إلى أوطانكم... ابنوا، وأصلحوا، وعمروا.

فمن الهجرة يمكن أن تبدأ رحلة جديدة... رحلة العودة إلى الإعمار، واستعادة الأوطان لقوتها ومكانتها، قبل أن يملأ الآخرون الفراغ بمشروعاتهم وأطماعهم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني