أوكرانيا على رصيف الانتظار: بين براغماتية ترامب وقسوة الميدان


إعداد: منى منصور السيد

حين تتقاطع خيوط الاستراتيجية العسكرية مع قسوة النبض الإنساني، تصبح قراءة المشهد العالمي أشبه بالإبحار في بحر متطم الأمواج، حيث لا شيء ثابت سوى وجع الملايين فوق ركام مدنهم المحروقة. وفي غمار هذا المخاض الدولي العنيف، تطل علينا الرؤية التحليلية الرصينة للواء دكتور سمير فرج لتكشف عن ملامح دراما سياسية وإنسانية تتكشف فصولها ببطء قاتل على الأراضي الأوكرانية. إننا أمام تحول جذري ومفصلي غادرت فيه الإدارة الأمريكية مع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الحكم عباءة الدعم المفتوح الذي طبع حقبة سلفه، لتلج إلى فضاء براغماتي صارم يحكمه منطق الصفقات، والمواعيد النهائية، والضغوط الدبلوماسية التي تسعى لإجبار الأطراف على طاولة تفاوض لا تبالي بكلفة الدماء ولا بمرارة الخذلان.

إن تأمل تلك المحطات المتلاطمة يكشف عن عمق التناقضات التي تحكم صانع القرار في واشنطن؛ فبين تجميد المساعدات، ولقاء البيت الأبيض العاصف الذي وضع العلاقة مع القيادة الأوكرانية على حافة الهاوية، وتلك المهل الزمنية المتدرجة لتركيع الاقتصاد الروسي عبر عقوبات وإن بدت محدودة مقارنة بما سبق، تتكشف حقيقة صراع مرير داخل الدوائر الأمريكية بين الرغبة في التخلص من عبء استنزاف الموارد في حرب لا تنتهي، وبين مخاوف التصدع الكامل لهيبة التحالف الغربي برمته. وفي قلب هذه التموجات السياسية والاقتصادية، حيث تتراجع لغة التمويل المباشر لصالح عقوبات انتقائية تستهدف عمالقة الطاقة في موسكو، يبرز التناقض الأشد قسوة في محاولة الموازنة بين تكلفة الحرب الهائلة على الخزينة الغربية والاحتياجات الملحة لبقاء الدولة الأوكرانية واقفة على قدميها.

ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً تتجلى في ذلك التطور المتمثل في موافقة واشنطن على منح أوكرانيا حق الإنتاج المحلي لصواريخ باتريوت الاعتراضية بترخيص أمريكي، وهي خطوة بدت للوهلة الأولى كقبلة حياة، غير أن قسوة الواقع العسكري تذيب هذا الأمل على صفيح ساخن، فالمسافة بين الحبر على الورق وبين خطوط الإنتاج الفعلي تمتد لسنوات طويلة، وهي فجوة زمنية قاتلة تعيشها كييف اليوم في ظل عجز منظوماتها الدفاعية المتقادمة عن اعتراض ثلثي الصواريخ الباليستية التي تواصل دك البيوت وترويع الآمنين دون رادع كافٍ. هنا يتحول المواطن الأوكراني، الذي يدخل عامه الخامس تحت سماء ممطرة بالنار، إلى مجرد رقم في معادلة صفقات كبرى، يتجرع مرارة الانتظار المعلق على حبال وعود هشة تتبدل بتبدل الأهواء السياسية.

إن المأساة لا تقف عند حدود الجغرافيا والسياسة، بل تمتد لتغذي في الوجدان الإنساني شعورًا عميقًا بالوحدة والخذلان، حيث تقف الأرواح المعذبة وحدها في مواجهة آلة دمار لا تعرف الرحمة، بينما تواصل الدوائر الدولية دراسة الخيارات وتحليل المآلات بين دعم مشروط أو تخلي كامل يترك أوروبا وأوكرانيا لمصيرهما المحتوم. هكذا تبقى القصة مفتوحة على مصراعيها، معلقة بين رغبة في السلام الهش ومخاوف من حرب طحنت الأخضر واليابس، لتظل الحقيقة الوحيدة الماثلة للعيان هي أن الإنسان هو الضحية الأبدي على رقعة شطرنج ال

كبار.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني