التعاون بين الهيئة العامة للاستعلامات والجهاز المصري للملكية الفكرية.. من أرشيف الحفظ إلى اقتصاد الذاكرة لقاء هيئه الاستعلامات والجهاز المصري للملكية الفكريه لإدارة ذاكرة مصر"
كتبت /الإعلامية القصاص
السفير علاء يوسف رئيس الهيئة العامة للاستعلامات كان في قلب هذا التعاون الأستاذ الدكتور هشام عزمي رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية والدكتورة منى يحيى نائب رئيس الجهاز، في اجتماع جمع بين عقلين مؤسسيين عقل يحرس الذاكرة وعقل يحمي الحقوق.
شارك من الهيئة العامة للاستعلامات حضر قيادات من قطاعات الخدمات المركزية ومركز التوثيق والتقييم والإعلام والقانون، باعتبارهم حراس الأرشيف وأمناء الذاكرة الوطنية و من الجهاز المصري للملكية الفكرية نخبة من المستشارين والقيادات القانونية والفنية والإعلامية، يمثلون الإدارات المركزية لخدمات الملكية الفكرية وعملياتها والشؤون القانونية، في تأكيد على أن المهمة تتجاوز الحماية إلى إدارة الأصول وتعظيم قيمتها.
يجمع هؤلاء المشاركين إدراك واحد بأن التراث الإعلامي المصري ليس ملكاً لجهة بعينها، بل هو ثروة قومية. وأن التعاون بين من يملك المحتوى ومن يملك أدوات الحماية هو الطريق لتحويله من مواد محفوظة إلى رأس مال ثقافي وإبداعي يخدم أهداف التنمية ويصل إلى الأجيال القادمة.
لا توجد أمم بلا ذاكرة، ولا ذاكرة بلا أرشيف حي.
ولعقود ظل الأرشيف الإعلامي المصري كنزاً مغلقاً في أقبية الهيئة العامة للاستعلامات: أفلام وثائقية، تسجيلات صوتية لخطابات، نشرات أخبار، صور فوتوغرافية، ومواد نادرة وثقت تحولات مصر السياسية والاجتماعية والثقافية. اليوم، ومع انطلاق التعاون المؤسسي بين الهيئة العامة للاستعلامات والجهاز المصري للملكية الفكرية، نحن أمام تحول جوهري: الانتقال من منطق "الحفظ" إلى منطق "التشغيل". من اعتبار التراث عبئاً ورقياً إلى اعتباره أصلاً اقتصادياً ومعرفياً قادراً على صناعة قيمة مضافة.
*التراث الإعلامي كرافعة لأهداف التنمية المستدامة*
إحياء التراث الإعلامي لم يعد ترفاً ثقافياً معلقاً على رفوف الثقافة. هو مدخل مباشر وعملي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. عندما يتم ترقيم دقيقة واحدة من الأرشيف فإنها تتحول إلى سلسلة من الفرص: منتج وثائقي للمنصات الرقمية، مادة تعليمية تفاعلية داخل الفصول، محتوى لصناعة الألعاب، وتراخيص استخدام للشركات الإنتاجية. هذا المسار يخلق وظائف جديدة في مجالات الإنتاج والمونتاج والترجمة وإدارة الحقوق، ويربط النمو الاقتصادي مباشرة بأصل غير ملموس تملكه الدولة. على المستوى التعليمي، يتحول الأرشيف إلى "فصل دراسي مفتوح" يعرض التاريخ بصوت أصحابه وصورته الحقيقية، فيبني انتماء الأجيال الجديدة لهويتهم دون تلقين. وعلى مستوى المدن والمجتمعات، فإن إعادة توظيف الذاكرة البصرية للقاهرة والإسكندرية والريف المصري في مشروعات التطوير والسياحة الثقافية يمنع القطيعة بين الماضي والحاضر ويمنح المكان سردية مستدامة.
*نحو إطار وطني للاستخدام المسؤول والاستثمار الآمن*
المشكلة لم تكن يوماً في نقص المواد، بل في غياب إطار واضح يسمح باستخدامها دون خوف من الضياع أو التزوير. المطلوب هو الانتقال من ثقافة المنع إلى ثقافة الترخيص الذكي. يبدأ ذلك بإنشاء سجل وطني للأصول الإعلامية يوثق كل مادة برقم إيداع ووصف بياني وحالة حقوق محددة، على غرار ما طبقته المؤسسات الأرشيفية الكبرى عالمياً. ويستكمل بنموذج اقتصادي متدرج يفرق بين الاستخدام التعليمي والبحثي المجاني، والاستخدام التجاري المحلي المدعوم، والاستخدام الدولي الذي يدر عائداً يعاد استثماره في ترميم المزيد من المواد. ويكتمل هذا الإطار بمنصة رقمية موحدة تربط أرشيف الاستعلامات بماسبيرو ودار الكتب والمتاحف، وتستخدم الذكاء الاصطناعي للبحث بالصورة والصوت، حتى يصبح الوصول إلى المعلومة سريعاً ودقيقاً.
*تقنيات الحماية في زمن الذكاء الاصطناعي والتزييف*
القانون وحده لم يعد كافياً لحماية أصل رقمي في عصر النسخ الفوري والذكاء الاصطناعي التوليدي. نحتاج إلى حماية تتبع الأصل أينما ذهب. تقنية البلوك تشين توفر ذلك عبر منح كل مادة "بصمة رقمية" تسجل على دفتر موزع لا يمكن التلاعب به، وتتضمن تاريخ الإنتاج والمالك وحالة الحقوق وسجل التراخيص. بهذه الطريقة يمكن إثبات الملكية خلال ثوانٍ، وتتبع أي استخدام، ومقارنة أي نسخة متداولة بالأصل لمنع التزييف العميق. إلى جانب ذلك، يمكن توظيف العلامات المائية الرقمية غير المرئية المدمجة داخل الصوت والصورة، وأدوات الذكاء الاصطناعي التي تراقب الإنترنت وترصد أي استخدام غير مرخص وتبلغ عنه تلقائياً. كما أن إنشاء صندوق ائتماني للتراث بمشاركة الدولة والقطاع الخاص يضمن تمويل عمليات الترميم وجعلها دورة مستدامة.
*دروس من تجارب عالمية في تحويل الذاكرة إلى قيمة*
العالم سبقنا في تحويل الأرشيف من مخزن مغلق إلى أصل منتج. في بريطانيا تمت رقمنة آلاف الساعات من الأفلام التاريخية وإتاحتها عبر منصة محمية بنظام حقوق رقمي يتيح الاستخدام البحثي والتعليمي والتجاري. وفي الإمارات تم توثيق الوثائق التأسيسية للدولة على تقنية البلوك تشين لضمان أصالتها ومنع التلاعب بها. وفي كوريا الجنوبية تحول الأرشيف التلفزيوني إلى مصدر دخل سنوي عبر نظام تراخيص عالمي. القاسم المشترك في كل هذه التجارب ليس الأداة التقنية فقط، بل القرار السياسي والمؤسسي بالتعامل مع الذاكرة كثروة قومية. ومصر تمتلك ميزة نسبية لا تتكرر: عمق زمني وإعلامي يمتد من الإذاعة إلى التلفزيون إلى الصحافة المصورة، وهو ما يجعل مشروع إحياء الأرشيف المصري مشروعاً ذا وزن إقليمي ودولي.
*الشجاعة في الإتاحة هي جوهر الحماية*
إن التعاون بين الهيئة العامة للاستعلامات والجهاز المصري للملكية الفكرية هو إعلان بأن الدولة تتعامل مع ذاكرتها كأصل استراتيجي وليس كأوراق صفراء. والتحدي الأكبر القادم ليس فنياً ولا قانونياً، بل هو الشجاعة في الإتاحة. الشجاعة في أن نضع هذا التراث في يد الباحث والطالب والفنان وصانع المحتوى، وأن نثق أن إخراجه إلى النور لن يضعفه بل سيضاعف قيمته ويطيل عمره. فالأرشيف لا يحيا بالحفظ، يحيا بالتداول. وعندما تنتقل هذه المواد من أرفف مدينة نصر إلى شاشات العالم، ومن خانة "المحفوظات" إلى خانة "المشروعات"، نكون قد نجحنا في تحويل الذاكرة الوطنية إلى اقتصاد إبداع يغذي الحاضر ويؤمن المستقبل.

تعليقات
إرسال تعليق