الوهم الثقافي وتزييف القدوة


كتب /رابح زهران

تغرق المجتمعات الحديثة في فخ صناعة الرموز الوهمية وترسيخ مفاهيم مغلوطة تعيد ترتيب أولويات الشباب على نحو يضر ببنائهم الفكري والسلوكي ويتجلى هذا التخبط في محاولات مستمرة لإبراز الممثلين والمشاهير كأنهم نماذج يعتد بها في الحياة العملية أو الفكرية والواقع يؤكد أن العمل الفني مهما بلغت براعته لا يمنح صاحبه صلاحية التوجيه الأخلاقي أو المجتمعي لأن التمثيل في جوهره مجرد مهنة تؤدى أطوارها خلف الكاميرات وفق نصوص مكتوبة وإخراج محدد لا يعكس بالضرورة حقيقة شخصية الممثل أو طريقتهم في إدارة حياتهم الشخصية وتصرفات الفنانين مثل محمود حميدة أو غيره من الأسماء اللامعة تتراوح بين الأخطاء والاحترافية كأي أفراد آخرين في المجتمع ولا يجوز بحال من الأحوال اتخاذ سلوكياتهم الميدانية أو تصريحاتهم الإعلامية مرجعية يقاس عليها الصواب والخطأ أو تصديرها للنشء على أنها قدوة يقتدى بها

إن خطورة تصدير نجوم الشاشة كرموز مجتمعية تكمن في تمييع مفهوم القدوة الحقيقية التي يجب أن تبنى على العلم والعمل الجاد والعطاء الإنساني والمبادئ الراسخة القائمة على نفع المجتمع ومساعدة الآخرين وتطوير المعرفة وللأسف يؤدي التركيز الإعلامي المكثف على تفاصيل حياة الفنانين إلى صناعة هالة زائفة تدفع الشباب للركض وراء مظاهر شائكة وحياة هشة تعتمد على الشهرة السريعة والسطحية بدلا من التأسيس لبناء شخصية متزنة تمتلك وعيا حقيقيا وقدرة على التمييز بين الإبداع الفني وبين السلوك الإنساني المستحق للاقتداء

يتوجب على المؤسسات التعليمية والإعلامية إعادة تصحيح المسار من خلال إبراز القدوة الحقيقية المتمثلة في العلماء والمفكرين والأطباء والمبدعين الذين يتركون أثرا ملموسا في نهضة أمتهم وتوعية الأجيال القادمة بأن التقدير الفني لممثل ما لا يعني إعطاءه صك الأهلية التربوية أو الفكرية فالممثل يؤدي دورا إمتاعيا وتنتهي مهمته بانتهاء المشهد أما القدوة فهو من يعلم الناس كيف يبنون حياتهم على أسس صلبة من القيم والأخلاق والعمل الجاد بعيدا عن زيف الشهرة وبريق الأضواء

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية