هل نحن فعلًا مستعجلون، أم أننا أصبحنا نستعجل الخروج من المكان الوحيد الذي تستريح فيه أرواحنا؟
كتب /معالى اللواء سامى فرج
هل نحن فعلًا مستعجلون، أم أننا أصبحنا نستعجل الخروج من المكان الوحيد الذي تستريح فيه أرواحنا؟ إنه سؤال بسيط، لكنه يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا. بعد صلاة العشاء، كنت واقفًا مع مجموعة من الشباب أمام المسجد، وفجأة قال أحدهم مبررًا تعجله: هو إنتم ليه بتحبوا تقعدوا في المسجد بعد الصلاة؟ مش المفروض نصلي ونمشي؟ كان سؤالًا عابرًا، لكن رجلًا كبيرًا في السن كان يخرج من المسجد فسمعه، فابتسم وقال بلطف: ينفع أحكيلكم حاجة حصلتلي؟ قلنا له: اتفضل. قال: من حوالي عشر سنين، كنت أصلي الفرض وأجري على شغلي أو بيتي، وما كنتش بقعد في المسجد دقيقة زيادة. وفي يوم قابلت شيخًا كبيرًا، فقال لي مستنكرًا: إنت مستعجل على إيه؟ قلت له: عندي مصالح. فقال لي: والمصالح دي أهم من إن الملائكة تفضل تستغفرلك؟ توقف الرجل قليلًا، ثم تابع قائلًا: استغربت من كلامه، فقال لي ألما سمعت حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها، ولا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في المسجد: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يُحدث". ومن يومها قررت أقعد عشر دقايق بعد كل صلاة. فسألناه بفضول: وإيه اللي حصل؟ فابتسم وقال: والله يا ابني، حياتي كلها اتغيرت؛ رزقي اتوسع، عصبيتي قلت، بدأت أحب القرآن، وبقيت أعرف ناس صالحة كانوا سببًا في ثباتي. ثم ختم حديثه بجملة أظن أن كل واحد منا يحتاج أن يسمعها بوعي: مش كل اللي بيتغير في الإنسان بيتغير بسبب درس طويل، في ناس حياتها كلها اتغيرت بسبب عشر دقايق قعدوهم في المسجد. ثم أضاف متسائلاً: إحنا بنقعد ساعات على الموبايل من غير ما نحس، هو ربنا هيشق علينا بعشر دقايق نقعدهم في بيته؟
وهنا تبدأ قضية الوعي الحقيقية؛ كم ساعة تضيع من أعمارنا كل يوم أمام الهاتف، وكم دقيقة نقضيها في متابعة أخبار لا تنفعنا، وكم وقتًا نستهلكه في نقاشات لا تغيّر شيئًا، وكم مرة نظرنا إلى الساعة أثناء الصلاة وبعدها وكأننا نريد أن نغادر سريعًا؟ عشر دقائق على الهاتف لا نشعر بها، فلماذا نشعر أن عشر دقائق مع الله طويلة؟ نستطيع أن نجلس ساعة في مقهى، وساعتين أمام شاشة، وثلاث ساعات في حديث لا ينتهي، ثم نستكثر على قلوبنا دقائق معدودة في بيت الله. المشكلة الحقيقية ليست في ضيق الوقت، بل في ترتيب الأولويات. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر. فالمسجد ليس مجرد مكان نؤدي فيه الفريضة ثم نغادر، بل هو محطة نجاة ومكان تخلع عند بابه ضجيج الدنيا، وتدخل بقلبك كما أنت متعبًا، حائرًا، غاضبًا، مكسورًا، أو مثقلًا بالهموم، ثم تجلس دقائق معدودة فتبدأ الروح في استعادة أنفاسها.
لذا، لا تستعجل الخروج من المسجد، بل اجلس قليلًا؛ سبّح الله، استغفر الله، اقرأ القرآن، صلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم، ادعُ لنفسك ولأهلك، وراجع نفسك. فربما كانت تلك الدقائق القليلة هي أعظم ما فعلته في يومك، وربما كانت دعوة صادقة في تلك اللحظات سببًا في تغيير شيء كنت تظنه مستحيلًا، وربما كان جلوسك بجوار رجل صالح سببًا في نصيحة تسمعها فتغيّر بها طريق حياتك. نحن لا نحتاج دائمًا إلى أحداث ضخمة حتى تتغير حياتنا، فأحيانًا تغيّرنا سجدة، وأحيانًا تغيّرنا آية، وأحيانًا تغيّرنا عشر دقائق في بيت الله.
الخلاصة أن الدنيا لن تنتهي أعمالها، لكن العمر سينتهي، والشغل لن ينتهي، والمواعيد لن تنتهي، والمشاكل لن تنتهي، والهاتف لن يتوقف، والدنيا لن تمنحك يومًا تقول فيه لقد فرغت فاذهب إلى ربك. لذلك، خذ من الدنيا دقائق لله قبل أن تأخذ الدنيا عمرك كله. إن عشر دقائق بعد الصلاة قد تبدو شيئًا صغيرًا في حساب الوقت، لكنها عند الله قد تكون بداية كبيرة في حساب العمر والقلب والمصير.
اللهم اجعل قلوبنا معلّقة بالمساجد وأرواحنا معلّقة بك، واجعل الصلاة راحةً لنا، والقرآن نورًا لقلوبنا، والذكر أنيسًا لنا، والسجود أقرب لحظاتنا إليك. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا تجعل انشغالنا بها سببًا في غفلتنا عنك، وارزقنا لذة القرب منك وحلاوة مناجاتك وحسن عبادتك وثبات القلب حتى نلقاك. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قضية الوعي ليست أن نعرف فقط، بل أن نفهم، ثم نُغيّر، ثم نُحسن الاختيار. وصلّوا على الحبيب المصطفى.

تعليقات
إرسال تعليق