حدود المدن... الطائف

 د. عائض الزهراني

اهتم وتغنى المؤرخون الجغرافيون والرحالة قديماً وحديثاً عربيين أو غربيين مشيدين بروعة سماء الطائف بغيومها وسحابها والطبيعة الساحرة القادرة بمناخها وعذوبة ماءها وتعاقب فصولها الثلاثة وآثارها أن تكون في كتب الأساطير والروايات المكثفة لتنقش صورتها بأنها من أعرق المدن وبأنها عروس المصائف والمصيف الأول لجزيرة العرب.

فإذا كانت حدود المدن شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً فإن حدود الطائف تاريخ وحضارة وفن وتراث. أما معالمه فجمال وسحر وروعة عندما نتحدث عنها فإننا نستعرض التاريخ والآثار ونرسم خارطة الفكر والفن والثقافة لأنها نافذة يطل منها الجميع على حضارتها التي تحكي عراقة وتاريخ وماض.

هذه المدينة أكسبها موقعها الجغرافي الاستراتيجي الفريد الذي جعلها تتبوأ مكانة متقدمة بين مدن الجزيرة منذ أقدم العصور بالإضافة إلى أنها البوابة الشرقية للعاصمة الدينية مكة المكرمة.

مما جعلها تهيئ للمسافر والمقيم مساحة مكثفة من الاختيارات من عبادات دينية، كمناسك الحج والعمرة، أو التمتع بجمال الطبيعة بكافة أبعادها.

واشتهرت الطائف ثقافياً وأصبحت في ذاكرة العقل العربي وذلك بالإشعاع الكرنفالي الثقافي قبل الإسلام ويستمر بزهوه الآن وهو سوق عكاظ الذي كان سوقاً تجارياً ومهرجاناً أدبياً تمتزج فيه التجارة ببريق الإبداع الشعري.

عكاظ المصنوع من رؤية وإشعاع فكري تنويري إبداعي، عكاظ الذي يصبح زاداً وزواداً لكل متعطش للفكر والإبداع والشعر المتجذر في تربة الذهنية العربية، عكاظ جذر الشعر والثقافة الحية المتفاعلة والمنابر الفكرية الذي يتجدد في نهر المكان ولأنه بهذه الصفة فهو يحلق فوق متاهة الفوقية العارية من الموضوعية والمنهجية وهو في نفس الدائرة مع سلطة الحرية الواعية والإنسانية العربية المتقدمة.

إن عكاظ يشكل منبعاً طبيعياً لثقافتنا مما يجعله مصدراً ثرياً من مصادرها وانطلاقاً من هذه الأهمية التي تكتسبها عكاظ في حياتنا الثقافية فلا بد من العمل لنقله للأجيال المتعاقبة لمد الجسور بين ماضيها وحاضرها وجعله أرضية صلبة للانطلاق في دروب الإبداع والعطاء الفكري حتى نوفر لهذا التراث العكاظي روح الاستمرار والتوهج بنور التجديد والإضافة والخلق ولا شك أننا بهذا الشكل نعطي لثقافة وتراث عكاظ فرصة ذهبية كي يسري في عروق الأجيال بعد أن نفض غبار القرون عنه.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني