صياغة الأثر وسحر الخامات حين يعيد الفن غزل الذهب وتشكيل المستقبل


كتبت /منى منصور السيد

في المدى الفاصل بين صلابة الخامة ورقّة الخيال، تنبثق الفنون الحية كواحدة من أعلى تجليات الهوية الإنسانية قدرةً على التعبير والخلق؛ حيث لا يعود المعدن مجرد مادة صامتة تُستخرج من جوف الأرض، ولا الحجر مجرد تكوين صخري تتلقفه الأبصار، بل يستحيل كلاهما عبر أنامل الصانع ورؤية المبدع إلى حكاية تروى، ونبض يُرتدى. ومن هذا الأفق الخلاق الذي تتجسر فيه المساحة بين جماليات الفنون التشكيلية وضرورات الاستثمار في الصناعات الإبداعية، تشرع كلية التربية الفنية بجامعة العاصمة أبوابها نحو مستقبل أكاديمي واستثماري جديد يتجاوز النماذج التقليدية، متمثلاً في إطلاق برنامج "فنون الحلي والمجوهرات"، كخطوة استراتيجية شجاعة تعيد صياغة الوعي الإبداعي وتُعد كوادر مؤهلة تمتلك القدرة على ترك بصمة حرفية واقتصادية بالغة الأثر في سوق العمل المحلي والدولي على حد سواء.

إن هذا التوجه الأكاديمي، الذي يعبّر عن فكره وفلسفته الأستاذ الدكتور كرم مسعد، أستاذ أشغال المعادن بالكلية، ينطلق من رؤية شاملة ترى في الطالب مشروع مبتكر قائمًا بذاته وليس مجرد متلقٍ لمعارف جامدة؛ حيث يتجاوز البرنامج مفهوم منح الشهادات العلمية مجردة، ليغرس في وجدان الدارس مقومات بناء علامته التجارية الخاصة، وتحويل الأفكار الإبداعية المجردة إلى منتجات تنافسية عالية القيمة تتصدر أسواق الفخامة. وتتأكد هذه الرؤية الشمولية من خلال فتح أبواب القبول لاستقبال طاقات متنوعة من الحاصلين على الثانوية العامة، والبكالوريا، والدبلومات الفنية، بالإضافة إلى الطلاب الحاصلين على مؤهلات أخرى، ليصهر هذه التباينات كافة في بوثقة واحدة عمادها نظام الساعات المعتمدة الذي يمنح التجربة الأكاديمية مرونة الاستكشاف وعمق التخصص.

وفي هذا المجرى الفكري المنساب، يظهر المعمار الدراسي للبرنامج كنسيج متكامل يزاوج ببراعة بين أصالة الماضي وابتكار الحاضر؛ فهو يقيم جسرًا متينًا بين أسرار التشكيل اليدوي العريق وصياغة الخامات المتنوعة ك الجرانيت والأحجار والمعادن والخشب والخزف والزجاج، وبين أدوات العصر التكنولوجية الأشد دقة وعصرية؛ حيث يلتقي حس اليد الماهرة بتقنيات التصميم الرقمي ثلاثي الأبعاد (3D) وأحدث تقنيات تشغيل الماكينات الحديثة المعتمدة لدى كبار صناع الذهب والماس. ولا تتوقف هذه التجربة عند حدود الصنعة، بل تمتد لتواكب أحدث خطوط الموضة العالمية (Trends) وتتوافق مع صيحات الأزياء المعاصرة، مع رفد الطالب بمهارات إدارة الأعمال الاحترافية، وإعداد دراسات الجدوى المتقنة، وآليات التسويق الحديثة التي تمنحه زمام الريادة في عالم المال والأعمال.

إن الفرص الواعدة التي تفتح ذراعيها لخريجي هذا البرنامج لا تمثل مجرد منافذ للالتحاق الفوري بكبرى شركات ومصانع المجوهرات وصياغة الذهب، بل هي دفق جديد يُنعش شرايين الاقتصاد الإبداعي ويمنح الفنان الشاب استقلالية التوجه لإطلاق مشروعه الخاص وتأسيس اسمه في عالم الصياغة. وبينما تتاح الفرصة حاليًا للتسجيل والاستفسار عبر مراجعة مكتب شؤون الطلاب بمقر كلية التربية الفنية، الكائن في 12 شارع إسماعيل محمد بمنطقة الزمالك العريقة، تظل الرؤية شاخصة نحو غدٍ يترجم فيه المبدعون شغفهم إلى قطع فنية خالدة، تعيد للمعدن قيمته، وللحلي روحها، وللصناعة الإبداعية عرشها المستحق.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية