رحلة التعافي من الفقد


كتبت/د..علا مصطفى


الرحلة الثانية: لماذا لا أستطيع تقبل ما حدث؟


بقلم: لايف كوتش علا مصطفى

بوصلة الحياة


" كنت أعلم أن الفقد مؤلم… لكنني لم أتخيل أنه سيؤلمني بهذه الطريقة.”


قد تعرف الحقيقة بعقلك … لكن قلبك قد يحتاج إلى وقت أطول حتى يستوعبها.


فقد تفتح هاتفك بشكل تلقائي لتتصل بمن فقدته، ثم تتذكر أنه لن يجيب.


قد تنتظر رسالة تعرف أنها لن تصل،وقد تدخل مكانًا اعتدت أن تراه فيه، فتبحث عنه بعينيك للحظات…


ثم تعود الحقيقة من جديد:


لقد حدث الفقد فعلًا.


لكن لماذا يصعب علينا أحيانًا أن نتقبل ما حدث، رغم أننا نعرف الحقيقة؟


ماذا يحدث داخلنا؟


عندما نفقد شخصًا أو علاقة أو حلمًا كان جزءًا أساسيًا من حياتنا، لا يفقد العقل شيئًا واحدًا فقط،بل يواجه واقعًا جديدًا لم يكن مستعدًا له.


كان هناك شخص نتوقع أن نتحدث معه…


ومكان نتوقع أن نجده فيه…


ومستقبل كنا نراه معه…


وفجأة تغير كل شيء.


لذلك قد يشعر الإنسان في البداية بالصدمة أو الخدر أو عدم التصديق،قد يعرف الحقيقة منطقيًا، لكن مشاعره تحتاج وقتًا حتى تلحق بها.


وهنا يمكن أن يظهر الإنكار كاستجابة دفاعية؛ ليس بالضرورة لأننا لا نعرف الحقيقة، وإنما لأن مواجهتها دفعة واحدة قد تكون مؤلمة جدًا.


لكن من المهم أن نعرف أن الحزن ليس مراحل ثابتة يمر بها الجميع بنفس الترتيب؛ فقد تختلف الاستجابة من شخص لآخر.


لماذا ننتظر رسالة أو اتصالًا لن يأتي؟

لأننا لا نتعامل مع غياب الشخص فقط…

بل مع الاعتياد عليه.

اعتدنا أن نحكي له تفاصيل يومنا…

أن نسأله عن رأيه…

أن نسمع صوته…

أن نراه في مكان معين…

وأن نبني خططنا المستقبلية وهو موجود فيها.


ولهذا قد تلتقط هاتفك تلقائيًا لتراسله…

أو تنتظر أن يرن…

أو تشعر للحظة أنه سيظهر أمامك.

ثم تتذكر الحقيقة.

وهنا يأتي الألم من جديد.

لأن العقل يحاول أن يتعلم شكل الحياة الجديدة.


أمثلة من الحياة


قد يفقد شخص عزيزًا، فيظل لفترة يتوقع أن يرن هاتفه.

وقد تنتهي علاقة كانت تمثل له الأمان، فيظل ينتظر عودة الاتصال.

وقد يفقد إنسان حلمًا عاش سنوات من أجله، فيستمر داخله في انتظار فرصة تعيده إليه.


الفقد له وجوه كثيرة…


لكن القاسم المشترك بينها هو أننا نحتاج إلى وقت حتى نتكيف مع غياب ما كان له معنى كبير في حياتنا.


أخطاء تزيد من ألم الفقد


من أكثر ما نفعله بأنفسنا أن نقول:


“لازم أتقبل بسرعة.”


“لازم أنسى.”


“غيري تجاوز وأنا لسه.”


لكن التعافي ليس سباقًا.


ولا توجد مدة واحدة للحزن.


ولا تعني عودة الذكرى أو الحزن أنك رجعت إلى نقطة الصفر،فقد تمر أيام تشعر فيها بالهدوء، ثم تأتي أغنية أو صورة أو مناسبة فتعود مشاعر الفقد بقوة.


وهذا لا يعني أنك لم تتقدم.


رسالة من د. علا مصطفى


إذا كنت حتى الآن غير قادر على تقبل ما حدث… فلا تعاقب نفسك على ذلك.


أحيانًا يعرف العقل الحقيقة، لكن القلب يحتاج وقتًا أطول حتى يستوعبها،لا تستعجل نفسك…ولا تعتبر اشتياقك أو حزنك دليلًا على أنك لم تتقدم.


وتذكر:


التقبل لا يعني أنك موافق على ما حدث،ولا يعني أنك سعيد به…ولا يعني أنك نسيت من فقدته.


التقبل يعني أن تبدأ في الاعتراف بأن هذه الحقيقة أصبحت جزءًا من واقعك، وأنك تستطيع مع الوقت أن تتعلم كيف تعيش معها.


خذ وقتك…

ارحم نفسك…

وخطُ خطوة واحدة في كل مرة.


خطوات صغيرة تساعدك


عندما تشعر أن الحقيقة أصبحت ثقيلة جدًا، لا تحاول أن تحل كل شيء دفعة واحدة.


توقف قليلًا…

تنفس ببطء…

وسمِّ شعورك:

“أنا حزين.”

“أنا مشتاق.”

“أنا ما زلت أستوعب ما حدث.”


ثم اسأل نفسك:


“ما الذي أحتاجه الآن؟”

قد تحتاج إلى الحديث مع شخص تثق به…

أو بعض الوقت بمفردك…

أو الراحة…

أو مجرد أن تسمح لنفسك بالبكاء.

أحيانًا تكون الخطوة الصغيرة كافية لهذا اليوم.


تمرين الحلقة


خصص عشر دقائق واكتب:

“الشيء الذي ما زلت أجد صعوبة في تقبله هو…”

ثم اسأل نفسك:

“ما الذي أحتاج أن أمنحه لنفسي في هذه المرحلة؟”

لا تبحث عن إجابة مثالية.

اكتب بصدق.

فقد تكون بداية التعافي هي أن تعترف لنفسك:


“نعم… هذا حدث، وأنا أتألم.”


في رحلتنا القادمة…


بعد أن تحدثنا عن لماذا يصعب علينا تقبل الفقد، سنقترب من سؤال أعمق:


لماذا يبدو الألم كبيرًا؟


لماذا نشعر أحيانًا أننا لم نفقد شخصًا فقط… بل فقدنا جزءًا من حياتنا معه؟


لأن الفقد لا يأخذ الإنسان فقط… بل قد يأخذ معه الذكريات، والعادات اليومية، والأحاديث، والخطط، والإحساس بالأمان.


و سنفهم لماذا يكون الفراغ الذي يتركه الفقد أكبر بكثير من مجرد غياب شخص، وكيف نبدأ في التعامل مع هذا الفراغ دون أن نفقد أنفسنا معه.


“تقبل ما حدث لا يعني أن تتوقف عن الحب… بل أن تتعلم كيف تحمل الحب والذكرى، بينما تستمر في الحياة.”


لايف كوتش،علا مصطفى

بوصلة الحياة


سؤال للتفاعل :


هل تعتقد أن أصعب شيء في الفقد هو غياب الشخص… أم تقبل أن الحياة لن تعود كما كانت؟


شاركنا رأيك…


فربما تكون كلماتك سببًا في أن يشعر شخص آخر بأنه ليس وحده.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية