خطوةً راسخة نحو عالمٍ أكثر عدلاً وإنصافاً، يُقاس فيه الأفراد بحقهم الأصيل في المشاركة الكاملة والفاعلة
كتب /أحمد عبد الله حميد
في عالمٍ يرتطم بتحدياتٍ اجتماعية وقانونية وإنسانية عميقة، لا يمكن اختزال قضايا ذوي الإعاقة في هامش الملاحظات أو زوايا التغاضي؛ إذ إنها قضية تمسّ في جوهرها كرامة الإنسان، وحقوقه الأصيلة، ومبدأ المساواة المطلقة. إن ذوي الإعاقة ليسوا فئةً عابرة أو مجتمعاتٍ محدودة، بل تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة إلى أن أكثر من مليار إنسان يعيشون بشكْلٍ أو بآخر مع تجربة الإعاقة—أي ما يعادل نحو 15% من سكان العالم.
من هذا المنطلق، تتجلى التمثيلية الحقيقية لذوي الإعاقة في المحافل الدولية—وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة—كبندٍ حتمي لا يقبل التردد. إن حضور شخصٍ من ذوي الإعاقة داخل هذه المنظمة ليس مجرد تمثيلٍ بروتوكولي أو رمزيةٍ شكلية، بل يحمل وزناً فكرياً وقانونياً وإنسانياً يؤثر في صلب القرار العالمي. وحين نتحدث عن الإعاقة، فإننا نستحضر تجربةً إنسانية مركبة لا تختزلها الأرقام، بل يكمن الرهان الحقيقي في كيفية استيعاب هذه التجربة وترجمتها إلى سياساتٍ كفيلة بضمان الحقوق الكاملة لملايين البشر.
وبصفتي شخصاً من ذوي الإعاقة وطالباً في كلية القانون، أدرك تماماً أن الخوض في حقوق هذه الفئة لا يمكن أن يظل تحليلاً نظرياً معزولاً عن الواقع المعيش. لقد علمني المسار الأكاديمي والتجربة الشخصية أن النصوص القانونية—مهما بلغت من الرصانة والموضوعية—تظل مجرد صياغاتٍ جامدة ما لم تُقرأ من قلب التجربة ذاتها، ومن منظور من خبر مرارة الإقصاء وتلمّس العوائق البيئية والاجتماعية التي تحول دون الوصول إلى التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية الكاملة. إن التمثيل الحقيقي في الأمم المتحدة يعني صهر هذه التجربة الحية في جوهر عملية صنع القرار، لا الحديث عنها من أبراجٍ عاجية.
ومع الأسف، تقع العديد من المنظمات التي تدعي الدفاع عن حقوق ذوي الإعاقة في فخ التمييز غير المقصود، وذلك حين تتعامل معهم بوصفهم فئة تحتاج فقط إلى "الرعاية" أو "الخدمات الخاصة"، غافلةً عن أنهم لا يبحثون عن العطف، بل يطالبون بالاعتراف الصريح بحقوقهم وضمان مشاركتهم الفاعلة. إن هذا الخلط بين الشمولية والتمييز يؤدي إلى نتائج عكسية؛ فبدلاً من دمجهم في نسيج المجتمع الدولي، يُكرَّس تهميشهم عند اتخاذ القرارات المصيرية.
إن وجود ممثلٍ نابع من قلب هذه المعاناة داخل الأمم المتحدة يمتلك القدرة على تحويل النصوص الصارمة إلى ممارساتٍ ملموسة. فالقوانين التي تُصاغ في المنابر الدولية، إن لم تُكتب أو تُراجع بوعي الذين يعايشون الإعاقة يومياً، ستظل قاصرة عن ملامسة احتياجاتهم الحقيقية. فالقانون أداةٌ لإعادة تشكيل الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وتمكين ذوي الإعاقة من إيصال صوتهم هو الضمان الأمثل لفعالية هذه الأداة في بناء مجتمعات أكثر عدلاً.
إن ذوي الإعاقة يشكلون الكتل البشرية الأكبر بين الأقليات في العالم، ولا يمكن بحالٍ تجاهل أصواتهم أو إبعادهم عن دوائر القرار. فالعدالة الحقيقية لا تتحقق برؤية قضاياهم من منظورٍ خارجي، بل حين يجلس أصحاب هذه التجارب على الطاولة ذاتها التي تُصنع فيها السياسات. إن تمثيلهم في الأمم المتحدة إقرارٌ بأن تجربتهم جزء أصيل من النسيج الإنساني، وأن المجتمع الدولي لا يستقيم ادعاؤه للعدالة ما لم يتخذ من أصواتهم ركناً أساسياً في رسم المستقبل.
ليس الهدف من هذا التمثيل إيجاد انقسامٍ بين ذوي الإعاقة وسائر البشر، بل إعادة التوازن إلى الخطاب الدولي الذي غالباً ما يختزل الإعاقة في أطرٍ ضيقة أو أرقامٍ صماء. إن هذا التمثيل يعلن للعالم أن أصحاب الهمم ليسوا مجرد موضوعاتٍ للدراسة ثم النسيان، بل هم ذواتٌ إنسانية تمتلك الطموح والإرادة والقدرة على الإسهام في نهضة المجتمع الدولي.
إن التمثيل الحقيقي لذوي الإعاقة في الأمم المتحدة ليس مطلباً فئوياً ضيقاً، بل هو استحقاق إنساني شامل يضمن أن القيم التي تنادي بها المنظمة الدولية—من كرامة ومساواة وعدالة ومشاركة—ليست دروشاتٍ أو شعاراتٍ براقة، بل واقع حي يعيشه أكثر من مليار إنسان حول العالم؛ ليكون ذلك خطوةً راسخة نحو عالمٍ أكثر عدلاً وإنصافاً، يُقاس فيه الأفراد بحقهم الأصيل في المشاركة الكاملة والفاعلة.

تعليقات
إرسال تعليق