جسر بين الفكر والتطبيق.. نحو ميثاق إعلامي أكاديمي لبناء الإنسان


كتبت /منى منصور السيد

في مرحلة دقيقة من تاريخ أمتنا، لا يعود الإعلام فيها مجرد أداة لنقل الخبر أو منصة للترفيه، بل يتجاوز ذلك ليكون الصانع الأول للوعي الجمعي، والخط الدفاعي الأول عن العقول والأفكار، تجيء اللحظات الفارقة لتعيد ترتيب الأولويات ورسم الخرائط المستقبلية. إن التوقيع على بروتوكول التعاون بين نقابة الإعلاميين والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تحت عنوان «شراكات استراتيجية ورؤى مستقبلية» يمثل نقطة تحول جوهرية في مسار الممارسة الإعلامية العربية، وإعلانًا صريحًا عن مرحلة جديدة تتكامل فيها الحرفية الميدانية مع الرؤية الأكاديمية الرصينة، وهو ما تجسد في حضور قامات إعلامية وأكاديمية وقيادات وطنية بارزة، في مقدمتهم الدكتور طارق سعده نقيب الإعلاميين، والدكتور إسماعيل عبد الغفار رئيس الأكاديمية العربية.

لقد عانت الممارسة الإعلامية لعقود طويلة من فجوة عميقة تفصل بين النظرية والتطبيق؛ فبينما كانت أروقة الجامعات والمعاهد الأكاديمية تزخر بالدراسات العلمية والبحوث النظرية المعمقة حول أسباب تدني الخطاب أو آليات تأثير الرأي العام، كان الميدان اليومي يركض في اتجاه آخر فرضته سرعة الإيقاع وتحديات التنافسية الرقمية. ومن هنا تكمن أهمية هذه الشراكة الاستراتيجية التي تسعى إلى ردم تلك الفجوة، وتحويل البحث العلمي من مجرد أوراق حبيسة الأدراج إلى أدوات عمل ملموسة وخطط تنفيذية تُوجه الخطاب الإعلامي، وفي المقابل رفد المؤسسات الأكاديمية بالخبرات الحية والتجارب الواقعية التي يخوضها الإعلامي يوميًا خلف الشاشات وأمام الميكروفونات.

إن الرهان الحقيقي في هذا البروتوكول ينصب بالأساس على بناء الإنسان الإعلامي المتمكن. فإتاحة الفرصة للإعلاميين الممارسين للالتحاق ببرامج الدراسات العليا من ماجستير ودكتوراه في صرح علمي متميز كالأكاديمية العربية، إلى جانب تقديم برامج تدريبية وتأهيلية مكثفة، ليس مجرد امتياز أكاديمي أو استكمال لدرجات علمية، بل هو إعادة صياغة للعقل الإعلامي ليكون أكثر قدرة على التفكير النقدي، وأكثر استيعابًا للمتغيرات التكنولوجية والجيوسياسية المتسارعة. إن الإعلامي الذي يتسلح بالمنهج العلمي يكون أكثر حصانة ضد السقوط في فخ الشائعات أو السعي وراء الإثارة الرخيصة، وأكثر قدرة على صناعة محتوى يمتلك العمق والمصداقية.

ولم تكن المائدة المستديرة التيُ عقدت على هامش توقيع البروتوكول تحت عنوان «الإعلام والوعي» حدثًا شكليًا، بل كانت تجسيدًا حيًا للهدف الأسمى لهذه الشراكة. فالوعي هو المعركة الكبرى في عصر الانفجار المعرفي والتزييف الرقمي، وتشكيل وعي المواطن لم يعد مهمة فردية أو نتاج مصادفة، بل هو صناعة ثقيلة تتطلب تتضافر فيها جهود المؤسسات التنفيذية والتشريعية والأكاديمية. وقد انعكس هذا التكامل جليًا في أروقة الملتقى بحضور نخبة رفيعة المستوى من رموز الدولة والإعلام والفكر، تقدمهم السفير علي يوسف رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ونائبته الدكتورة هويدا مصطفى، والأستاذ خالد البلشي نقيب الصحفيين، والدكتورة ثريا البدوي رئيس لجنة الإعلام بمجلس النواب، والكاتبة الصحفية هبة الله صادق رئيس مجلس إدارة روزاليوسف، والنائبة رشا عقل، إلى جانب وفد النقابة الذي ضم الأستاذ خالد فتوح والأستاذ أيمن عدلي عضوي مجلس النقابة، والدكتور خالد الأبرق كبير مذيعي التلفزيون المصري.

كما أثرى نقاشات المائدة المستديرة، التي أدارها الإعلامي أيمن عدلي وترأسها نقيب الإعلاميين، حضور نخبة من القامات الأكاديمية المرموقة، وفي مقدمتهم الدكتورة هبة نايف عميد كلية اللغة والإعلام بالأكاديمية، والدكتورة عزة هيكل العميد الأسبق للكلية، والدكتور أشرف جلال عميد كلية الإعلام بجامعة السويس، والدكتور محمد النشار، والدكتور سامي طايل؛ ليتأكد للجميع أن قضية بناء الوعي باتت أولوية وطنية تستدعي تكاتف بيوت الخبرة الوطنية لحماية العقول وتشكيل جبهة تنويرية متماسكة.

إن هذا البروتوكول، ب أبعاده التدريبية والأكاديمية والفكرية، يقدم نموذجًا يحتذى به لما يجب أن تكون عليه الشراكات بين مؤسسات الدولة وكياناتها الممتدة في الوطن العربي. إنه خطوة جادة ونوعية تحول الشعارات إلى واقع ملموس، وتضع اللبنة الأولى لمستقبل إعلامي أكثر نضجًا واحترافية، مستقبل قادر على قيادة المجتمع نحو الفكر التنويري وبناء الإنسان، والانطلاق به بثبات نحو آفاق الغد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية