الإعلام والاقتصاد الأزرق: كيف يمكن للصحافة أن تصبح شريكًا في تنمية البحار لا مجرد ناقلٍ

  

بقلم/ د. رضا عادل فاضل مقررة اللجنة العلمية والتعليمية بالاتحاد العربي للإعلام والثقافة. 

تكشف التجارب الدولية أن الإعلام لم يعد وسيطًا بين الحدث والجمهور فحسب، بل أصبح أحد الفاعلين الرئيسيين في تشكيل السياسات العامة، وبناء الثقة المجتمعية، وتعزيز الاستثمارات، ودعم التنمية المستدامة، ومن هذا المنطلق، فإن الاقتصاد الأزرق يحتاج إلى تحول موازٍ في فلسفة العمل الإعلامي، ينتقل من التغطية التقليدية إلى إنتاج معرفة قادرة على التأثير في الواقع.

وهنا أقترح مفهومًا يمكن أن يشكل مدخلًا جديدًا للنقاش الأكاديمي والإعلامي العربي، وهو الإعلام الأزرق (Blue Media.

لا يُقصد بالإعلام الأزرق مجرد التغطية الصحفية للقضايا البحرية، بل منظومة إعلامية متخصصة توظف الصحافة الاقتصادية، وصحافة البيانات، والصحافة البيئية، وصحافة الحلول، والإعلام الرقمي؛ من أجل دعم الاقتصاد الأزرق وتعزيز التنمية البحرية المستدامة، من خلال إنتاج محتوى مهني قائم على الأدلة، يسهم في توجيه الرأي العام، ودعم صناع القرار، وتشجيع الاستثمار المسؤول.

ويمثل هذا المفهوم امتدادًا طبيعيًا لتطور الإعلام التنموي، لكنه يضيف إليه بعدًا جديدًا يقوم على دمج المعرفة الاقتصادية بالاستدامة البيئية، وتحويل البيانات البحرية إلى قصص صحفية تفسر الواقع وتقترح الحلول.

اعتاد الإعلام العربي أن يتعامل مع البحر باعتباره مساحة للأزمات؛ فالتغطيات تتركز حول حوادث السفن، والتلوث البحري، والهجرة غير النظامية، والتوترات الجيوسياسية، ورغم أهمية هذه القضايا، فإن الاقتصار عليها يصنع صورة ذهنية ناقصة، تختزل البحر في المخاطر، وتتجاهل الفرص التنموية الكامنة فيه.

فالصحافة تستطيع أن تروي قصة ميناء أصبح مركزًا لوجستيًا إقليميًا، أو شركة ناشئة طورت حلولًا للحد من التلوث البلاستيكي في السواحل، أو مجتمعًا محليًا نجح في استعادة مخزون الثروة السمكية من خلال الإدارة المستدامة، هذه القصص لا تقل أهمية عن أخبار الأزمات، بل قد تكون أكثر تأثيرًا في تحفيز التغيير.

وهنا تتجلى قيمة صحافة الحلول؛ فهي لا تتجاهل المشكلات، لكنها تبحث عن الاستجابات التي أثبتت فعاليتها، وتوضح لماذا نجحت، وما حدود نجاحها، وكيف يمكن الاستفادة منها في سياقات أخرى.

مع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت المؤسسات الإعلامية تمتلك أدوات غير مسبوقة لتحليل البيانات الضخمة، ومراقبة التغيرات البيئية، وتتبع حركة السفن، وتحليل التجارة البحرية، وإنتاج خرائط تفاعلية، وإنشاء لوحات بيانات تساعد الصحفي على اكتشاف القصص قبل أن تتحول إلى أخبار.

كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تحليل صور الأقمار الصناعية لرصد التعديات على السواحل، أو تتبع التلوث البحري، أو تفسير بيانات الصيد، وهي كلها موضوعات تمثل مادة ثرية لصحافة البيانات وصحافة الحلول.

لكن نجاح هذه الأدوات يظل مرهونًا بوجود صحفي يمتلك القدرة على التحقق، والتحليل، وفهم السياق، وتحويل البيانات إلى قصة إنسانية مؤثرة.

تعليقات