بين أطلال الجمال… حين كانت الرجولة تُكتب شعراً
كتب /معالى اللواء سامى محمود دنيا
“ أين من عيني حبيبٌ ساحر… فيه عزٌّ وجلالٌ وحياء…”
ليست مجرد كلمات غنتها أم كلثوم، وليست أبياتًا خالدة سكنت الوجدان العربي لعقود، بل هي دستورٌ أدبي رسم ملامح الرجل كما ينبغي أن يكون، في زمنٍ كانت فيه القيم تُوزن بالأخلاق، لا بالمظاهر، وكانت الرجولة موقفًا، لا استعراضًا، وكانت الهيبة تُولد من التواضع، لا من الصخب.
لقد استطاع الشاعر الكبير إبراهيم ناجي أن يختصر فلسفة الرجولة في كلمات قليلة، لكنها بقيت عصية على النسيان، حين قال:
“أين من عيني حبيبٌ ساحر… فيه عزٌّ وجلالٌ وحياء…”
فجمع ثلاث صفات لو اجتمعت في رجلٍ لاستحق أن يُسمى رجلًا بحق؛ العزة التي لا تعرف الذل، والجلال الذي يفرض الاحترام دون تكلف، والحياء الذي يزين القوة ولا ينتقص منها. إنها معادلة نادرة، لا يصنعها المال، ولا يمنحها المنصب، وإنما تربيها النفوس الكريمة.
ثم يرسم ناجي صورة الرجل الواثق فيقول:
“ واثق الخطوة يمشي ملكًا… ظالم الحسن شهي الكبرياء.”
إنها ليست دعوة إلى الغرور، وإنما وصفٌ للثقة الهادئة، ذلك الرجل الذي لا يحتاج أن يرفع صوته ليُسمع، ولا أن يتباهى بنفسه ليُرى. حضوره وحده يكفي، وهيبته تسبقه، ووقاره يتحدث عنه قبل أن ينطق.
ثم تأتي اللوحة الأكثر شاعرية:
“ عبق السحر كأنفاس الربيع… ساهم الطرف كأحلام المساء.”
وكأن الرجولة ليست قوةً مجردة، بل هي رقةٌ في موضعها، ورحمةٌ في موضعها، وذوقٌ راقٍ، ونبلٌ في المشاعر، واتزانٌ في النظرة، فلا قسوة تفسد الهيبة، ولا لينٌ يهدم الوقار.
هكذا كانت مقاييس الرجولة في الزمن الجميل… زمن أم كلثوم، حين كانت الكلمة تُصاغ من ذهب، واللحن يُولد من الإحساس، والصوت يخلد المعنى حتى يصبح جزءًا من وجدان أمة بأكملها.
لقد لمست أم كلثوم هذه الكلمات بصوتها الأسطوري، فحولتها إلى حياةٍ أخرى، حتى أصبحت الأطلال أكثر من أغنية، بل مدرسةً في الذوق، والرقي، واللغة، والإنسان.
ولعل أعظم ما فعله إبراهيم ناجي أنه لم يصف ملامح الوجه، بل وصف ملامح الروح. لم يقل إن الرجل بطول قامته أو عرض منكبيه، وإنما قال إنه صاحب عزٍّ وجلالٍ وحياء، وكأن الرجولة تبدأ من الداخل قبل أن تُرى في الخارج.
واليوم… كم نحن بحاجة إلى العودة إلى تلك المعايير!!!!!!!
في زمنٍ اختلطت فيه القوة بالعنف، والثقة بالغرور، والشهرة بالقيمة، وأصبحت المظاهر تصنع أبطالًا من ورق، نحتاج أن نستعيد معنى الرجل الذي يعرف كيف يحترم نفسه، فيحترمه الناس، ويصون كرامته، فيعلو قدره، ويعامل الآخرين بأدب، فلا تنقصه الرجولة بل تزداد بهاءً.
إن الرجل الحقيقي ليس أكثر الناس صخبًا، ولا أشدهم استعراضًا، بل أكثرهم خلقًا، وأصدقهم كلمة، وأوفاهم عهدًا، وأرحمهم قلبًا، وأثبتهم عند الشدائد. فإذا اجتمع العز مع الجلال، وزانهما الحياء، اكتملت صورة الرجل التي حلم بها الشعر، وأحبها الناس، وخلدها التاريخ.
سلامًا على شاعرٍ رأى بعين القلب ما لم يره كثيرون بعين البصر.
وسلامًا على إبراهيم ناجي الذي لم يكتب قصيدةً فحسب، بل كتب ميثاقًا خالدًا للرجولة.
وسلامًا على أم كلثوم التي منحت هذه الكلمات روحًا لا تموت، فظلت تتردد جيلاً بعد جيل، وكأنها تقول لنا إن القيم العظيمة لا تشيخ، وإن الجمال الحقيقي لا يسقط مع الزمن.
إنها “الأطلال”… لكنها ليست أطلال حبٍ فقط، بل أطلال زمنٍ كانت فيه الرجولة خُلُقًا، وكانت الأخلاق عنوانًا، وكان الإنسان أجمل ما في الإنسان.
وصلّوا على الحبيب المصطفى
بحبكم في الله…

تعليقات
إرسال تعليق