حين تتحول الوحدة إلى عدوان
كتب / تامر فؤاد
مش كل إنسان بيحب الوحدة بيكون بيكره الناس
أحيانا الإنسان بيميل للوحدة لأنه اتعب من المحاولات .. من الشرح ، من التبرير ، ومن العلاقات اللي كل مرة كان بيدخلها بقلب مفتوح ويخرج منها وهو بيقفل بابا جديدًا جواه ..
في البداية ، الوحدة بتكون راحة
ركن هادي بعيد عن الضوضاء ، مكان الإنسان يقدر فيه يسمع نفسه من غير ما حد يقاطعه ، ويعيش من غير ما يضطر يمثل إنه بخير
لكن المشكلة بتبدأ لما الوحدة تطول
الإنسان بطبيعته محتاج للآخرين ، حتى لو كان بيقاوم الاعتراف بده .. ومع الوقت ، العزلة الطويلة ممكن تغيّر طريقة نظره للعالم .. يبدأ يشك في نوايا الناس ، يفسر الكلام على إنه هجوم ، والاهتمام على إنه تدخل ، والنصيحة على إنها محاولة للسيطرة ..
وبدل ما يبقى بعيد عن الناس لأنه مرتاح
يبقى بعيد لأنه فقد القدرة على التعامل معاهم
هنا بتبدأ الوحدة تاخد شكل تاني
الإنسان اللي كان هادي، يبدأ يبقى سريع الغضب ..
اللي كان بيتسامح ، يبدأ يدور على أخطاء الآخرين ..
اللي كان بيهرب من المشاكل ، يبدأ أحيانًا في صناعتها ..
مش لأنه شرير ..
لكن لأنه قضى وقتًا طويلا وهو بيحارب وحده
الوحدة الطويلة ممكن تخلي الإنسان يعيش في حالة دفاع مستمرة .. وكأنه واقف طول الوقت مستني ضربة من شخص مش موجود أصلا
ومع كثرة الخيبات .. بيتكون جواه اعتقاد خطير ..
"أنا مش محتاج حد"
الجملة دي شكلها قوة ، لكنها أحيانا بتكون آخر مرحلة قبل الانهيار
لأن الإنسان لما يقنع نفسه إنه مش محتاج حد .. يبدأ يرفض حتى الأشخاص اللي ممكن يكونوا سندًا ليه .. وكل ما حد يقرب .. يبعده .. وكل ما حد يحاول يفهمه .. يشك فيه .. وكل ما علاقة تبدأ .. ينهيها قبل ما تتاح لها فرصة إنها تعيش ..
وبعد فترة ..
يكتشف إنه أصبح محاطًا بالناس التي دفعها بعيدا ..
فيتحول الغضب إلى أسلوب حياة
صوته يعلى بسرعة ، كلماته تبقى قاسية ، وردوده تبقى أعنف من الموقف نفسه .. ويبدأ يستخدم القسوة كوسيلة لحماية نفسه ، وكأنه يقول للعالم :
"متقربش .. أنا اتعلمت إني لما بسيب حد يقرب ، بتوجع"
لكن الحقيقة إن العدوان مش دائمًا دليل على القوة
أحيانا العدوان هو خوف متنكّر في هيئة غضب
والشخص العدواني مش بالضرورة شخص بيحب إيذاء الآخرين وأحيانا هو شخص لم يعد يعرف كيف يقول :
"أنا تعبت"
"أنا خايف"
"أنا محتاج حد"
"أنا اتخذلت"
"أنا مش عارف أرجع زي الأول"
فيختصر كل ده في غضبة
وهنا لازم نفرق بين حب الوحدة والهروب من البشر
إنك تحب تقعد لوحدك، ده طبيعي
إنك تحتاج مساحتك، ده صحي
إنك تستمتع بالصمت، مش مشكلة
لكن لما الوحدة تخليك تكره كل الناس، وتشك في كل نية وترفض كل علاقة .. وتعتبر القسوة حماية ، وتبقى مستعدا للهجوم قبل ما حد يهاجمك ..
ساعتها الوحدة ما بقتش اختيار
بقت سجنا
والأخطر إن صاحب السجن هو نفسه السجين
ربما الإنسان لا يحتاج أن يصبح اجتماعيًا طوال الوقت ولا يحتاج أن يفتح قلبه لكل عابر .. لكنه يحتاج على الأقل إلى شخص واحد يشعر معه أنه ليس مضطرا للدفاع عن نفسه
شخص يقدر يقعد معاه من غير كلام
شخص ما يخافش من غضبه وفي نفس الوقت ما يسمحش لغضبه يؤذيه
لأن الإنسان مهما ادعى أنه اعتاد الوحدة ، يظل بداخله جزء صغير يتمنى أن يجد شخصًا يقول له :
"مش لازم تحارب طول الوقت .. أنا مش جاي أحاربك"
وفي النهاية ، الوحدة نفسها ليست العدو
العدو الحقيقي هو أن تتحول الوحدة من مساحة نستعيد فيها أنفسنا
إلى مكان نفقد فيه ثقتنا بالعالم .. ثم نخرج منه ونحن نظن أن العدوان هو الطريقة الوحيدة لحماية ما تبقى منا

تعليقات
إرسال تعليق