جُغْرافِيا العُزْلَةِ الأَنيقَة.
كتب /أحمد عبدالله الزنگنة
تجلسُ في العتمةِ الأنيقةِ لِعُزلتِك، ثابتاً في مَقْعَدِك كما لَوْ كُنْتَ نُصُباً تِذْكارِيّاً كُتِبَ عليهِ بطريقَةٍ غيرِ مُعلَنَة: "هنا يَرْبُضُ مَنْ فَهِمَ المأساةَ أكْثَرَ ممَّا يَنْبَغِي". يُخيّمُ عليكَ ذلكَ الهَمْسُ الساخرُ الذي لا يَهْدَأ، يَهْتِفُ في أُذُنِكَ كُلَّ صَباح: إنَّكَ حَتْماً في المَكانِ الخَطَأ، أو رُبَّما في الكَوْكَبِ الخَطَأ، أو في مَسْرَحِيَّةٍ هَزَلِيَّةٍ نَسِيَ المُخْرِجُ أنْ يُعْطِيَكَ فيها نصَّ الخُروج. المكانُ حَوْلَكَ ضَيِّقٌ، لا لأَنَّ مَساحَتَهُ الجُغْرافِيَّةَ مَحْدودَة، بَلْ لأَنَّكَ مَحْكومٌ بِرُؤْيَةِ كُلِّ السِّيناريوهاتِ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأ، في حِينِ يَرْكُضُ الآخَرونَ بِشَغَفٍ أدْماءَ نَحْوَ أهدافٍ لا تَتَعدَّى قِشْرَةَ سَطْحِيَّةِ الوجود.
في البِدءِ، كُنْتَ سَفيهاً بِما يَكْفِي لِتَعْتَقِدَ أنَّ الحَياةَ أُحْجِيَةٌ مُمْتِعَةٌ المَطْلُوبُ مِنْكَ فَكُّ شِفْراتِها. انْدَفَعْتَ بِيَقينِ السُّذَّاجِ، تَلْتَهِمُ الكُتُبَ، وتَبْنِي الفَلْسَفاتِ، وتُشَرِّحُ العَواطِفَ الإِنْسانِيَّةَ وكأنَّكَ جَرَّاحٌ يَبْحَثُ عَنْ رُوحٍ في جُثَّة. كُنْتَ تَظُنُّ أنَّ الوعْيَ سَيَهَبُكَ أجنِحَةً أُسْطورِيَّةً تُحَلِّقُ بِها فَوْقَ هَوانِ المادَّةِ وقُصورِ الخُطُوات، فإِذا بِكَ تَكْتَشِفُ أنَّ المَعْرِفَةَ لَمْ تَكُنْ سِوى مِجْهَرٍ أَنِيقٍ يُضَخِّمُ لَكَ عَبَثِيَّةَ المَشْهَد. أَدْرَكْتَ كُنْهَ الأشْياءِ، فَصارَتْ الجائِزَةُ الوحيدَةُ لِذَكائِكَ هي أنَّكَ أصْبَحْتَ المَشْلُولَ الوَديدَ الذي يَرى حَريقَ المَسْرَحِ كامِلاً، بَيْنَما الجُمْهورُ يُصَفِّقُ بِحَماسٍ لِلأَلْعانِ المُشْتَعِلَة.
وها أنْتَ الآن، تُمَارِسُ أَرْقَى أَنْواعِ النَّجاة: النَّجاةُ بالسُّخْرِيَة. تَلْتقِطُ الفِكْرَةَ التَّالِيَةَ بِمَلاطِطٍ مِنْ العَزْلِ الشُّعورِيّ، وتَبْتَسِمُ تِلْكَ الاِبْتِسامَةَ الأَرِسْتُقْراطِيَّةَ البارِدَةَ التي تَجْمَعُ بَيْنَ الرُّقِيِّ والازْتِرِاءِ. لقد تَحَوَّلَتْ مَعْرَكَتُكَ مِنْ مُحاوَلَةِ إصْلاحِ العالَمِ أو مَجاراتِهِ، إلى مُحاوَلَةِ مَنِعِ رَأْسِكَ مِنْ الانْفِجارِ أمامَ كَمِّ "الحِكْمَةِ" التي احْتَقَنْتَ بِها. كُلُّ حَقيقَةٍ اسْتَبْصَرْتَها أَمْسَتْ غَرِيمَةً تَتَطَلَّبُ مِنْكَ خِطَّةَ هُروبٍ جَديدَة؛ فأنْتَ لا تُحارِبُ الجَهْلَ بَلْ تُحارِبُ ما انْكَتَبَ في ذاكِرَتِكَ، وتُحاوِلُ أنْ تَنْجو مِنْ فَهْمِكَ المَفْرُوطِ لِلعَدالَةِ والأَلَمِ وادِّعاءاتِ البَشَر.
تَجْلِسُ—أو تَقِفُ، لا فَارِقَ حَقيقِيّاً طالَما أنَّ الروحَ هي التي تَحْمِلُ الشَّلَلَ الكامِل—وتَنْظُرُ إلى زِحامِ الآخَرينَ وهو يُمَارسُ رَكْضَهُ المَحْموم. تَهَزُّ كَتِفَيْكَ بِلُطْفٍ المُنْتَصِرِ الخاسِر، وتَقولُ لِنَفْسِكَ: كَمْ هُوَ طَريفٌ أنْ يُمْضِيَ الإِنْسانُ نِصْفَ عُمْرِهِ يَبْحَثُ عَنْ الحَقيقَة، ثُمَّ يُمْضِيَ النِّصْفَ الآخَرَ يَبْحَثُ عَنْ شُهودِ زُورٍ لِيُقْنِعوهُ بأنَّهُ لَمْ يَرَ شيئاً. الحَبْسُ الحَقيقيُّ لَمْ يَكُنْ يَوْماً في خَذْلانِ المادَّةِ ولا في المِسافاتِ التي لا تُقْطَع، بَلْ في أنَّكَ فَهِمْتَ نِهَايَةَ الرِّوايةِ قبلَ الجَميع، ولم يَعُدْ لَدَيْكَ الشَّغَفُ لِتَقْليبِ الصَّفَحاتِ المُمِلَّة

تعليقات
إرسال تعليق