كيف تُبصر ذات الإنسان دون أن تُخدع

كتبت/ د. رضا عادل فاضل 

يخطئ من يظن أن معرفة الناس تُقاس بأول لقاء، فالانطباع الأول غالبا صناعة لحظته، يجتهد فيها كل إنسان أن يُقدّم أبهى ما عنده، ويستر ما يخشى أن يُرى منه، وهذا ليس خداعا بالمعنى القاسي للكلمة، بل غريزة قديمة يحملها البشر منذ أن تعلّموا العيش في جماعة، غير أنها تجعل الحكم المتعجّل على الناس مغامرة لا يخلو صاحبها من الوهم. 

الذات الحقيقية لا تظهر في لحظات العرض، بل في لحظات الغفلة، حين يظن المرء أن أحدا لا يراقبه، حين يتعامل مع من لا يملك أن يُفيده أو يضرّه، مع من يخدمه في مطعم، أو يقف خلفه في طابور، أو يعمل تحت إمرته من دون أن يُحاسبه أحد، هناك تتكشف طبقات الروح التي لا تصل إليها المجاملة، وهناك يظهر الفارق بين من يحسن التعامل لأنه مؤدب حقا، ومن يحسنه لأنه يعرف من يُشاهده.

ومن أدق موازين الكشف أيضا، أن تراقب الإنسان في لحظة غضبه أو خسارته أو حين يُواجَه بما لا يحب، فالكلام الهادئ في الأوقات المريحة لا يقول عن صاحبه شيئا كبيرا، أما حين تضيق الأحوال، فإن القناع يتصدّع، ويظهر ما تحته من صبر حقيقي أو من هشاشة كانت تختبئ خلف الابتسامات.

وثمة علامة أخرى لا تخطئها عين متأنية، وهي مدى التطابق بين ما يقوله الإنسان وما يفعله على مرّ الزمن، فالكلمات وحدها رخيصة، يقولها الصادق والكاذب على حد سواء، لكن الأفعال المتكررة عبر الأيام والمواقف المتباينة هي التي تكتب السيرة الحقيقية لصاحبها، فمن يعدك اليوم بما لا يفي به غدا، سيفعل الشيء نفسه بعد عام، ومن يحترمك في السرّ كما يحترمك في العلن، فتلك شهادة لا تُشترى.

ولعل أخطر ما يُوقع الإنسان في الخديعة هو استعجاله في الحكم، وميله لتصديق من يُحسن الكلام عنه، فالنفس البشرية تميل غريزيا لمن يمدحها، وتتغافل عن التدقيق في صدق الممدوح، ومن هنا يسقط كثيرون في فخ من يجيدون فن الظهور أكثر مما يجيدون فن الوفاء.

فإذا أردت أن تُبصر ذات إنسان دون أن تُخدع، فلا تكتفِ بما يُقال في حضرتك، بل اسأل كيف يُعامل من لا سلطة له عليه، وكيف يتصرف حين يظن نفسه وحيدا، وكيف يفي بوعوده حين تغيب الرقابة، وكيف يستقبل غضبه إذا خُولف رأيه، فتلك المواقف الصغيرة المتناثرة عبر الزمن هي المرآة الأصدق، أما الكلام المصقول في اللقاء الأول فلا يعدو أن يكون واجهة، قد تُخفي خلفها بيتا جميلا، وقد تُخفي خرابا لم يُكتشف بعد.

والحكمة الأخيرة أن الإنسان نفسه كثيرا ما يُخدع في ذاته قبل أن يُخدع في غيره، فيظن نفسه صبورا حتى يُختبر، ويظن نفسه وفيا حتى يُجرَّب، فمعرفة النفس ليست أقل صعوبة من معرفة الآخرين، وربما كانت الخطوة الأولى في تجنّب الخديعة هي أن يُراقب المرء ذاته بالمعيار نفسه الذي يُراقب به الناس، بلا رحمة زائفة، وبلا قسوة ظالمة، بل بعين تبحث عن الحقيقة وحدها.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية