هات العمر من الأول… وحنين إلى زمن القلوب


كتب /معالى اللواء سامى محمود دنيا

هات العمر من الأول… ورجّع لينا زمن القلوب اللي ما كانتش تعرف غير الدفا والوفا

أحيانًا بنبص ورا، مش لأننا نادمين على العمر اللي فات، لكن لأن فيه أيامًا كان فيها شيء لا يتكرر… دفء الناس، وبراءة القلوب، ولمّة الأحباب، وضحكة طالعة من القلب من غير حساب.

نقول بيننا وبين نفسنا:

هات العمر من الأول… وهات حبايبنا من تاني،

فين العِزوة واللِّمّة والناس اللي كانت عجباني؟

فين الأيام اللي كان فيها البيت مليان ناس، واللمة على سفرة واحدة أغلى من أفخم موائد الدنيا؟ فين الجيران اللي كانوا أهل، والصاحب اللي كان يعرف أخبارك من نظرة عينيك، والقريب اللي يدخل عليك من غير ميعاد؟

كانت الحياة أبسط… لكن القلوب كانت أغنى. كان ممكن رغيف وقطعة جبنة وكوباية شاي يعملوا أجمل لقاء، لأن القيمة مش في الأكل، وإنما في مين قاعد معاك.

هات قلوب ما تسودش… وعيون جميلة ما تحسدش.

هات ناس لما تفرح لهم تفرح من قلبك، ولما تنجح ما تقللش من نجاحك، ولما تقع تلاقي إيد تتمد لك من غير ما تسألك: “هتديني إيه في المقابل؟”

هات ناس تعرف معنى العِشرة والعيش والملح، والسر اللي ائتمنّا عليه بعض. ناس حتى لو زعلانين منك، يفضل جواهم شيء يمنعهم من كسرك.

لأن الزعل زمان كان زعل محبين، وكان الخلاف ينتهي بكلمة: “حقك عليَّ.” أما النهارده، أحيانًا خلاف صغير يكفي عشان يتحول الإنسان في عين إنسان آخر إلى عدو.

مش بنندم على اللي فات… بس بنحن للذكريات.

إحنا مش بالضرورة عايزين الماضي يرجع بكل ما فيه؛ لأن الماضي كان فيه تعب وفراق وأحلام ما اكتملتش، لكننا نشتاق إلى أشخاص كانوا جزءًا من أجمل نسخة من حياتنا.

نشتاق إلى صوت أم أو أب، وصديق قديم، وقريب كان وجوده يملأ المكان، وبيت كان مفتوحًا، وشارع كانت فيه وجوه نعرفها.

أصلهم كانوا ناس عُزاز… وكانوا ناس لُذاذ.

كان وجودهم خفيفًا على القلب، وأحيانًا ما كناش نحتاج منهم غير جلسة، أو مكالمة، أو ضحكة، أو سؤال بسيط: “إنت عامل إيه؟”

وبندور في الوشوش… يمكن نقابل ناس منهم.

نمشي في الشوارع ونبص في الوجوه، يمكن نشوف ملامح تشبه ناس غابوا، أو نسمع صوتًا يذكرنا بإنسان عزيز، أو نمر بمكان فنشعر فجأة أن سنوات طويلة رجعت إلينا في لحظة.

والأصعب أننا أحيانًا نقابل فعلًا ناسًا من الماضي، فنكتشف أنهم تغيروا، أو أن الحياة غيرتهم، أو أننا نحن أيضًا لم نعد كما كنا.

والأوجع أن تقترب من شخص كنت تظن أنه سيفرح لرؤيتك، ثم تكتشف أنه مش شايفك بنفس العين القديمة.

فتبتسم، وتسلم، وتمشي، وتقول لنفسك:

“ياااه… حتى الناس اللي كنا فاكرينهم عمر كامل، ممكن يبقوا مجرد ذكرى.”

وهنا نفهم واحدة من أقسى حقائق الحياة: ليس كل من كان قريبًا سيبقى قريبًا، وليس كل من أحببناه سيظل كما عرفناه. الناس تتغير، والظروف تتغير، وأحيانًا المسافات لا تكون بين المدن… وإنما بين القلوب.

لكن لماذا نعيش في الماضي؟

لأن الإنسان لا يعيش بالأيام فقط، وإنما يعيش بما تركته الأيام داخله.

هناك ذكريات لا تموت، لأنها ارتبطت بأشخاص وأماكن ومشاعر صنعت جزءًا من شخصيتنا. قد تنسى تفاصيل يوم كامل، لكنك لا تنسى ضحكة شخص عزيز، وقد تنسى الكلام، لكنك لا تنسى إحساسك وأنت تسمعه.

وهكذا تصبح الذكريات مثل صندوق قديم في القلب؛ كلما فتحناه خرجت منه رائحة زمن جميل.

والحقيقة… غصب عنّا بنعيش في اللي فات، وغصب عنّا بنحب الذكريات.

نحبها لأنها الجزء الذي لا يستطيع الزمن أن ينتزعه منا. الأشخاص قد يرحلون، والبيوت قد تتغير، والأماكن قد تهدم، والأصدقاء قد تفرقهم الحياة، لكن الصورة التي احتفظنا بها لهم داخل القلب تظل كما هي.

فلا تخجل من حنينك، ولا تعتبر نفسك ضعيفًا لأنك تتذكر أشخاصًا غابوا.

فالحنين ليس ضعفًا… الحنين دليل أن قلبك عاش أشياء جميلة تستحق أن تُحفظ.

لكن لا تجعل الذكريات سجنًا. خذ منها أجمل ما فيها، واترك ما أوجعك. تذكر من أحبك واشكر الله عليه، وتذكر من أساء إليك وقل: سامحته لله… لكنني تعلمت.

ثم ارجع إلى يومك واصنع فيه ذكريات جديدة.

اصنع اليوم ما يستحق أن تشتاق إليه غدًا.

اجعل من حولك يشعرون بقيمتهم قبل أن يصبحوا ذكريات. اتصل بمن تحبه قبل أن يصبح الاتصال مستحيلًا، سامح، احتضن أحبابك، قل كلمة طيبة، واجلس مع من تحب دون هاتف ودون استعجال.

فالسنون تجري أسرع مما نتخيل، والأشخاص الذين حولنا اليوم قد يصبحون غدًا مجرد صور نفتحها ونحن نقول: “يا ريت الأيام ترجع…”

لكن الأيام لا ترجع، والعمر لا يُسترد. والأجمل من أن نتمنى عودة الماضي، أن نعيش حاضرنا بطريقة تجعلنا لا نندم عليه عندما يصبح ماضيًا.

تعليقي الختامى : إلى كل من يحن إلى زمن فات، وإلى ناس غابوا، وإلى أيام لن تعود… لا تحزن.

بعض الأشياء الجميلة لم تُخلق لتستمر، وإنما خُلقت لتترك فينا أثرًا جميلًا ثم ترحل.

احتفظ بالذكريات الجميلة، وادعُ لمن رحلوا، وابتسم لمن بقي، وكن أنت الشخص الذي يتذكره الآخرون يومًا ما فيقولون:

“كان إنسانًا جميلًا… كانت أيامه حلوة… وكان وجوده دِفا.”

لأن أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس مالًا ولا منصبًا ولا شهرة… إنما أثر طيب في قلوب الناس.

وربما بعد سنوات، يجلس أحدهم وحيدًا، يتذكر أيامه القديمة، فيمر اسمك في ذاكرته، فيبتسم ويقول:

“كان يا ما كان… وكان فيه ناس حلوة، وأيام أحنّ، وقلوب أنضف… يا ريت العمر يجيبهم لينا من الأول.”

وصلّوا على الحبيب المصطفى

بحبكم في الله…

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية