ما وراء الحجر


 كتبت /منى منصور السيد 

تحت رعاية الأستاذ الدكتور علاء عبد الهادي، رئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر والأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب، تقيم لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة، برئاسة الكاتب والباحث عبد الله مهدي، ندوة استثنائية بعنوان "ما وراء الحجر"، بمشاركة نخبة من المتخصصين والمفكرين تضم الأستاذ الدكتور خالد سعد مصطفى الخبير الأثري، والأستاذ محمد مندور الكاتب والباحث في التراث ومستشار وزير الثقافة الأسبق، والأستاذة سهيلة الرملي الباحثة الأثرية والكاتبة صاحبة مشروع أنسنة التاريخ ومؤلفة موسوعة "اتكلمي"، وبإدارة الكاتب والباحث عبد الله مهدي. تستند ندوة "ما وراء الحجر" إلى رؤية وجدانية عميقة تحاول كسر الحواجز النفسية والمعرفية بين الإنسان المعاصر وتاريخه الشاخص، إذ تنطلق من أن الأثر والتراث ليسا مجرد حجارة صماء أو مقتنيات للمتاحف تُزار للتفاخر الساكن، بل هما تجسيد مادي لروح إنسانية نابضة بالحياة، بحاجة ماسة إلى من يحسن الاستماع إليها واستنطاقها بالحب والتعاطف. تهدف الفعالية إلى الانتقال بالتراث من حالة "التحنيط التاريخي" الجاف إلى حالة "الفاعلية الحية" في تفاصيل حياتنا اليومية، متخذة من الهوية الوطنية مدخلاً أساسياً لإعادة بناء الوعي الجمعي، وترسيخ الانتماء الصادق لدى الأجيال الجديدة منذ نعومة أظفارها. تتعمق الندوة في شرح هذه الفكرة عبر تفكيك الطبقات المتعددة لمعنى "الحجر" وما يختبئ خلفه من مشاعر وحكايات إنسانية؛ فالفكرة لا تقف عند حدود السرد التاريخي التقليدي، بل تنفذ إلى البعد التربوي والنفسي لقلب الطفل وعقله، مؤكدة أن بناء الهوية لا يتم عبر الحفظ والتلقين المباشر، بل من خلال غرس قيم الانتماء في الوجدان عبر نماذج ملهمة وتجارب تعليمية متطورة تجعل من التاريخ جزءاً أصيلاً من بناء الشخصية ودفء السلوك اليومي. كما تتوسع الفعالية في طرح مفهوم "السردية الأدبية للتراث"، وهي الفكرة التي تسعى لتحويل المعالم الآثارية والدينية والمعمارية—من مدن وكنائس ومساجد وطبيعة—إلى مسارح دافئة لمغامرات أدبية حية يخوضها الطفل والجمهور بكل جوارحهم. إن الغاية من هذا الطرح هي الانتقال من "شرح الأثر" المادي الجاف إلى "رواية حكاية الإنسان" الذي شيد هذا الأثر وعاش في جنباته بآلامه وأفراحه، مما يجعل التراث جسراً حنوناً للتواصل الحضاري ونشر قيم التسامح والمحبة، ولغة معاصرة يلمسها الجميع وتصل إلى قلوبهم دون التنازل عن الأمانة والدقة العلمية. وفي السياق نفسه، تسلط الندوة الضوء على مشروع "أنسنة التاريخ"، وهو البعد الفلسفي والإنساني الذي يعيد الاعتبار للإنسان الصانع للحدث؛ فخلف كل نقش، واسم ملك، وتمثال، ومقبرة، توجد تجربة إنسانية مكتملة تتضمن الخوف، والحلم، والصراع، والأمل، والاختيار. وتؤكد الفعالية أن قراءة الأثر داخل سياقه التاريخي وإعادة صياغته سردياً تمنح هؤلاء الراحلين صوتاً إنسانياً حقيقياً يُسمع من جديد، ليس بهدف اختلاق تاريخ جديد، بل للوصول إلى جوهر الإنسان الذي ترك لنا هذا الميراث العظيم ولنستشعر نبض حياته. وتكتمل الرؤية الفكرية والإنسانية للندوة بالدعوة إلى التفاعل الحي والمعايشة الوجدانية مع هذا الإرث التاريخي والثقافي والروحي داخل العمل الأدبي المعاصر، باستخدام تقنيات فنية لا تكتفي بجمود التسجيل والتوثيق، بل تشتبك مع الواقع المعاش، لتقترب من التراث وتبتعد عنه برؤية نقدية واعية تخدم الحاضر والمستقبل، وصولاً إلى صياغة ثقافة قومية متطورة تجمع بين أصالة الجذور ورشاقة الأدوات المعاصرة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية