كيفَ يستعلي بروحهِ فوقَ حدودِ الجسدِ وفناءِ الأوقات.
كتب /أحمد عبدالله الزنگنة
كُلما ازدادَ ألمُ المرءِ لكي يشعرَ به، يختفي شعورهُ بالوقت أشعرُ بألمٍ الليلة، أو ربما في ليلةٍ مضت... لا يهمُّ ذلك حقاً، فالوقتُ الآن مجردُ دقاتٍ لا أكثر؛ دقاتٌ جافةٌ، رتيبةٌ، تتساقطُ من جدارِ الزمانِ كقطراتِ ماءٍ في بئرٍ مهجورة، دونَ أن تتركَ أثراً يُذكرُ في وعيي.
حينَ يستقرُّ الوجعُ في أركانِ الجسد، ويفرضُ هيمنتهُ المطلقة على الجغرافيا الضيقةِ التي أقطنُها، تتلاشى الحدودُ الفاصلةُ بين الأمسِ واليومِ والغد. تصبحُ التقاويمُ مجردَ حبرٍ باهتٍ على ورقٍ لا يعنينا، وتتحولُ عقاربُ الساعةِ التي تلهثُ في الزاويةِ إلى كائنٍ غريبٍ يمارسُ عبثيتهُ بعيداً عن مجرةِ شعوري.
ما النفعُ من حِسابِ الساعاتِ وتتبعِ الليلِ والنهار، إذا كانت كلُّ ثانيةٍ لا تُقاسُ بالمدى الزمني، بل بحجمِ التماسك، وبكميةِ الصبرِ المتدفقةِ من أعمقِ بؤرةٍ في الروح؟
في هذه البقعةِ من السكونِ الإجباري، حيثُ يحكمُ الثباتُ على الجسدِ سيطرته، تكمنُ المأساةُ وتولدُ المعجزةُ في آنٍ واحد. المأساةُ في ذلك القيدِ الظاهريِّ الذي يقطعُ بينكَ وبين ركضِ العالمِ في الخارج، والمعجزةُ في تلك الأجنحةِ الأثيريةِ التي تنمو للروحِ في عتمةِ المكابدة. هناك، حينَ تعجزُ الأقدامُ عن مجاراةِ العابرين، ترتقي الروحُ إلى منصةٍ شاهقة، تطلُّ منها على الوجودِ بأسره، لترتسمَ أمامها الحقائقُ مجردةً من زيوفِ العجلة.
قد يظنُّ الواقفون على ضفافِ الحركةِ أنَّ الجالسَ في ظلِّ وجعهِ غائبٌ عن الحياة، بينما الحقيقةُ أنهُ أشدُّهم حضوراً؛ إنهُ يعيشُ "الآن" في أبهى تجلياتها وأقساها. لقد استردَّ ذاتهُ من مهزلةِ الركضِ خلفَ الأوهام، وصارَ يرقبُ العالمَ بقلبٍ صقلهُ التحدي، وعقلٍ صفا من كدرِ الشوائب.
إنَّ الدقاتِ التي أسمعُها الآن ليست سوى صدًى خافتٍ لعالمٍ يمضي سريعاً نحو لا شيء، أما أنا، فقد اعتليتُ صهوةَ الصمت، وصرتُ أرى الألمَ ليس عدواً يُقاسُ بزمنِ بقائه، بل معبراً ضيقاً نحو حريةٍ مطلقةٍ لا يدركُ كُنهَها إلا من تعلَّمَ كيفَ يستعلي بروحهِ فوقَ حدودِ الجسدِ وفناءِ الأوقات.

تعليقات
إرسال تعليق