حصريا: السعودية تبحث عن مظلة جديدة… ومصر لا تُستدعى إلى الأحلاف.. بل تُستدعى عند الشدائد!
كتب/معالى اللواء سامى محمود دنيا
تحالف مكة الثلاثي: «الهجوم على واحد… هجوم على الجميع» — ولكن هل تتحول الكلمات إلى مدافع؟ وأين مصر من كل هذا؟
الاتفاق الذي وقّعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة ليس تفصيلاً عابراً في دفتر السياسة؛ فهو ينص على أن أي هجوم مسلح على دولة من الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجوماً على الدول الثلاث جميعاً. والاتفاق يأتي بعد اتفاق الدفاع الاستراتيجي السعودي ـ الباكستاني الذي وُقّع في سبتمبر 2025 بالصيغة نفسها تقريباً.
لكن…
هنا تبدأ السياسة الحقيقية، وهنا يجب أن نضع العاطفة جانباً ونمسك بالمسطرة ونقيس.
أولاً: الحلف القوي لا يُقاس بعدد الدول التي وقّعت… وإنما بمدى استعدادها لدفع ثمن الحرب.
على الورق لدينا السعودية وتركيا وباكستان:
دولة عربية غنية ومؤثرة.
ودولة إقليمية كبرى وعضو في حلف الناتو.
ودولة نووية تملك جيشاً ضخماً وخبرة عسكرية طويلة.
تشكيلة تبدو مرعبة على الورق… ولكن السياسة لا تُدار بالورق وحده.
السؤال الحقيقي:
إذا اندلعت حرب حقيقية، فمن سيقاتل؟
ومن سيدفع؟
ومن سيقبل بتعريض اقتصاده ومدنه ومصالحه للخطر؟
وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين التحالف السياسي والحلف العسكري المتكامل.
ثانياً: باكستان لديها حساباتها… والهند ليست في آخر القائمة.
إسلام آباد لا تستطيع ببساطة أن تنسى أن خصمها الاستراتيجي الأكبر هو الهند، وأن أي حرب كبرى في جنوب آسيا يمكن أن تتحول إلى كارثة على المنطقة كلها.
فهل إذا اندلع صراع هندي ـ باكستاني ستدخل السعودية وتركيا حرباً شاملة ضد الهند؟
وهل ستخاطران بعلاقاتهما الاقتصادية والاستراتيجية مع قوة نووية كبرى؟
هنا السياسة تقول: لا تتعجل في تصديق الشعارات قبل أن ترى لحظة الاختبار.
ثالثاً: تركيا ليست دولة بلا مظلة.
تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وبالتالي لديها أصلاً منظومة تحالفات عسكرية وسياسية ضخمة.
فإذا تعرضت تركيا لهجوم، فإن السؤال لا يصبح فقط:
هل ستأتي السعودية وباكستان؟
بل يصبح أيضاً:
ماذا سيفعل الناتو؟ وماذا ستفعل الولايات المتحدة؟
ومن هنا فإن الاتفاق الثلاثي لا يعني بالضرورة أن تركيا استبدلت مظلتها الأطلسية بمظلة سعودية ـ باكستانية.
الأدق أنه يضيف طبقة جديدة من الردع والتنسيق الإقليمي فوق شبكة تحالفات قائمة بالفعل.
رابعاً: السعودية تريد الردع قبل أن تريد الحرب.
وهذه ربما هي أهم نقطة في القصة كلها.
السعودية لا تحتاج بالضرورة إلى جيش تركي أو باكستاني يدخل حرباً كل صباح.
هي تحتاج إلى أن يعرف الخصم أن ضرب السعودية لم يعد قراراً بسيطاً.
اضرب السعودية… فكر في تركيا وباكستان.
وهذه هي فكرة الردع.
والردع الناجح لا يشترط أن تستخدم السلاح؛ يكفي أحياناً أن تجعل الخصم يقتنع بأن استخدامه ستكون له تكلفة لا يستطيع تحملها.
خامساً: هل هو حلف «سُنّي»؟
لا ينبغي اختزال الاتفاق في البعد المذهبي.
الدول لا تتحرك في السياسة الدولية بالمذهب وحده.
المصلحة أولاً… والأمن أولاً… والاقتصاد أولاً… ثم تأتي الشعارات.
تركيا لها مصالحها.
باكستان لها حساباتها مع الهند وإيران والصين والولايات المتحدة.
السعودية لها حساباتها الخليجية والإيرانية والأمريكية والإقليمية.
إذن نحن أمام تحالف مصالح وأمن وردع أكثر من كونه اتحاداً عقائدياً.
سادساً: وهل السعودية «تدور حول نفسها»؟
قد يراه البعض كذلك.
لكن القراءة الأكثر هدوءاً تقول شيئاً آخر:
السعودية تحاول تنويع مصادر قوتها الأمنية.
بعد عقود طويلة كان فيها الاعتماد على الولايات المتحدة ركناً أساسياً في أمن الخليج، يبدو أن الرياض تريد اليوم ألا تضع كل أوراقها في سلة واحدة.
وهذه ليست بالضرورة غيرة من مصر…
ولا خوفاً من مصر…
ولا مؤامرة على مصر.
إنها ببساطة إعادة توزيع للأوراق في منطقة تتغير بسرعة شديدة.
سابعاً: وهنا يأتي السؤال الذي يشغل المصريين: أين مصر؟
هنا يجب أن نفرق بين أمرين:
مصر ليست خارج المشهد.
لكن مصر أيضاً ليست مضطرة إلى الدخول في كل حلف يتم تشكيله.
القاهرة لديها عقيدة مختلفة في إدارة قوتها العسكرية.
الجيش المصري ليس شركة أمن إقليمية تُستأجر لحماية الآخرين.
الجيش المصري مهمته الأولى حماية الدولة المصرية وأمنها القومي وحدودها ومصالحها الاستراتيجية.
ومصر عندما تتحرك عسكرياً، فإنها تتحرك وفق حسابات شديدة الدقة، وليس وفق موجة سياسية أو عاطفة لحظية.
ثم إن لمصر وزنها الخاص:
موقع جغرافي لا يمكن تجاوزه.
قوة عسكرية كبيرة.
قناة السويس.
البحر الأحمر والمتوسط.
حدود مع ليبيا والسودان وغزة.
وعلاقات واسعة مع مختلف الأطراف.
مصر ليست دولة تبحث عن مقعد في تحالف… مصر دولة يمكن أن يصبح التحالف نفسه ناقصاً إذا تجاهلها.
ثامناً: الخطأ الأكبر هو أن نعتبر عدم انضمام مصر إلى حلف ثلاثي ضعفاً.
أحياناً يكون عدم دخولك في الحلف هو عين القوة.
لأن الدولة الكبرى لا تسمح بأن تتحول إرادتها الاستراتيجية إلى التزام آلي تجاه حرب لا تخص أمنها المباشر.
مصر تستطيع التعاون.
تستطيع المناورة.
تستطيع التنسيق.
تستطيع عقد اتفاقات ثنائية ومتعددة.
لكنها تحتفظ دائماً بحقها في تحديد: متى تتحرك… ولماذا تتحرك… وإلى أين تتحرك.
وهذه ليست عزلة.
هذه سيادة.
تاسعاً: هل نحن أمام «ناتو إسلامي»؟
هنا يجب أن نهدأ قليلاً: التشبيه بـ«الناتو» جذاب إعلامياً، لكنه يحتاج إلى سنوات من البناء حتى يصبح حقيقة عسكرية متكاملة.
الناتو ليس مجرد جملة تقول:
«الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع».
هناك قيادة عسكرية مشتركة، وتخطيط، وقواعد، واستخبارات، وتنسيق عملياتي، وقدرات لوجستية، وتمارين، وهياكل سياسية وعسكرية متراكمة.
أما الاتفاق الثلاثي، فهو خطوة استراتيجية مهمة في بناء تعاون دفاعي وردعي جديد، لكن من المبكر جداً اعتباره نسخة إسلامية مكتملة من الناتو.
وعلى طريقة المصريين: الكلام في السياسة شيء… ويوم الجد شيء آخر.
عندما تُطلق الصواريخ، لن تسأل السياسة عن جمال البيانات.
وعندما تبدأ الحرب، لن تنفع الشعارات وحدها.
هناك جغرافيا… وقدرات… ومصالح… وحسابات أمريكية وروسية وصينية وأوروبية… وهناك خطوط حمراء لا تظهر في البيانات الرسمية.
ولهذا يجب ألا نستهين بالاتفاق، وفي الوقت نفسه لا يجب أن نبالغ فيه.
هو اتفاق مهم.
وهو رسالة ردع واضحة.
وهو تحرك سعودي لإعادة صياغة جزء من معادلة الأمن الإقليمي.
لكنه ليس بعدُ جيشاً موحداً، ولا قيادة عسكرية واحدة، ولا ضمانة بأن جيوش الدول الثلاث ستدخل أي حرب تلقائياً بنفس الطريقة وفي اللحظة نفسها.
الخلاصة: السعودية تتحرك… وتركيا تحسب… وباكستان تناور… ومصر تراقب من موقع مختلف!
السعودية تبحث عن مظلات إضافية.
تركيا تريد توسيع هامشها الاستراتيجي.
باكستان تريد تعظيم أوراقها الدولية.
وكل طرف يدخل الاتفاق وفي جيبه دفتر مصالح خاص به.
أما مصر…
فمصر لا تحتاج أن تجري خلف كل تحالف جديد حتى تثبت أنها قوية.
مصر تعرف وزنها.
وتعرف أن القوة ليست في عدد الاتفاقات التي توقعها، وإنما في قدرتك على أن تقول:
نحن نختار تحالفاتنا… ولا أحد يختارها لنا.
والأهم من ذلك كله:
لا تجعلوا الخلافات العربية تتحول إلى شماتة.
فأمن السعودية من أمن المنطقة.
وقوة تركيا وباكستان مؤثرة في موازين الشرق الأوسط وآسيا.
ومصر ليست في معركة مع أحد.
لكن في الوقت نفسه…
لا أحد يملك أن يطلب من مصر أن تضع جيشها تحت تصرف أي دولة أو أن تدخل حرباً لمجرد أن الآخرين قرروا تشكيل حلف.
مصر أكبر من أن تكون تابعاً في حلف…
وأثقل من أن تكون رقماً في بيان…
وأعرف من أن تخلط بين التحالف الحقيقي والاستعراض السياسي.
وفي النهاية، الأيام وحدها ستكشف: هل وُلد في مكة حلف عسكري جديد يغيّر قواعد اللعبة؟ أم وُلدت فقط ورقة ردع قوية أرادت بها السعودية أن تقول للجميع: من الآن… حساباتكم معنا لن تكون كما كانت؟
والسياسة يا سادة… ليست بما يُقال في المؤتمرات، وإنما بما يحدث عندما تدق ساعة الحقيقة.
حفظ الله مصر، قيادةً وشعبًا وجيشًا، وجعلها دائمًا واحةً للأمن والاستقرار، ومساندة الضعفاء عامة والأشقاء خاصة… ووفق أبناءها إلى كل خير… وحفظ الله الزعيم السيسي البطل قولوا آمين تحيا مصر تحيا مصر تحيا مصر، وحفظ شعوب المنطقة من ويلات الفوضى والصراعات.
والحمد لله رب العالمين… ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.


تعليقات
إرسال تعليق