الاحتراق النفسي.. حين يتحول الضغط المستمر إلى فقدان للشغف
كتبت/ ولاء سعد عسل
لم يعد التعب النفسي رفاهية نتحدث عنها عندما يتبقى لدينا وقت، بل أصبح واقعًا يعيشه كثيرون في صمت. نذهب إلى العمل، نؤدي مسئولياتنا، نبتسم أمام الآخرين، ونقول: «أنا كويس».. بينما في الداخل تتراكم الضغوط حتى نصل إلى لحظة لا نرغب فيها في فعل أي شيء.
هنا يظهر الاحتراق النفسي؛ ذلك الاستنزاف الذي لا يأتي فجأة، وإنما يتسلل إلى الإنسان تدريجيًا، حتى يفقد طاقته وشغفه وقدرته على الاستمتاع بما كان يحبه.
عندما يصبح كل شيء عبئًا
أخطر ما في الاحتراق النفسي أنه قد يبدأ بصورة تبدو عادية: إرهاق، قلة حماس، رغبة في النوم، عصبية متكررة، أو شعور بأن العمل أصبح ثقيلًا.
ومع استمرار الضغط، تتحول هذه العلامات إلى حالة أعمق: فقدان الشغف، صعوبة التركيز، الإحساس بالعجز، واللامبالاة تجاه أشياء كانت تمنحنا السعادة.
وقد يصل الإنسان إلى مرحلة يسأل فيها نفسه:
«أنا تعبت ليه؟ وإمتى بقيت مش قادر أعمل الحاجة اللي كنت بحبها؟»
جيل تحت الضغط
الشباب بشكل خاص يعيشون تحت ضغوط متعددة: الدراسة، البحث عن فرصة عمل، المنافسة، الظروف الاقتصادية، توقعات الأسرة، والخوف من المستقبل، إضافة إلى الضغط المستمر الذي تفرضه وسائل التواصل الاجتماعي.
فبينما يرى الشاب نجاحات الآخرين وصور حياتهم المثالية على الشاشة، قد يبدأ في مقارنة نفسه بهم، وينسى أن ما يراه ليس بالضرورة الصورة الكاملة لحياتهم.
وهكذا يتحول الهاتف من وسيلة للتواصل إلى مصدر جديد للضغط النفسي.
المشكلة ليست في الكسل
من أكثر الأخطاء شيوعًا أن نصف الشخص المنهك نفسيًا بأنه «كسول» أو «مش بيحب شغله».
لكن الحقيقة أن الإنسان قد يكون محبًا لما يفعل، ثم يفقد شغفه بسبب الاستنزاف المستمر.
العمل لساعات طويلة دون راحة، وتحمل مسئوليات تفوق الطاقة، وعدم الحصول على التقدير، والشعور بأن المجهود لا يحقق نتيجة.. كلها عوامل يمكن أن تجعل الإنسان يشعر بأنه يعمل كثيرًا ويعيش قليلًا.
متى يجب أن نتوقف؟
ليس المطلوب أن نهرب من المسئوليات، ولكن أن نتعلم أن الراحة ليست ضعفًا، وأن الاعتراف بالتعب ليس فشلًا.
نحتاج أحيانًا إلى التوقف قليلًا، إعادة ترتيب أولوياتنا، وضع حدود واضحة، الحصول على نوم وراحة كافيين، والابتعاد عن مصادر الضغط التي يمكن التحكم فيها.
والأهم ألا نعتبر طلب الدعم النفسي عيبًا. فإذا استمر الإرهاق وفقدان المتعة أو أثرا بوضوح على الحياة اليومية، فقد يكون من المهم التحدث مع متخصص.
رسالة إلى كل مُنهك
ليس مطلوبًا منك أن تكون قويًا طوال الوقت.
ليس عيبًا أن تقول: «أنا تعبت».
وليس فشلًا أن تتوقف قليلًا حتى تستعيد قدرتك على الاستمرار.
فالإنسان ليس آلة تعمل بلا توقف، والشغف لا يعيش في بيئة تستهلك صاحبها كل يوم.
ربما لا تحتاج إلى أن تبدأ حياة جديدة.. ربما تحتاج فقط إلى أن تتوقف قليلًا، وتسمع صوت نفسك الذي تجاهلته طويلًا.
فالنجاح الحقيقي ليس أن تصل وأنت منهك تمامًا، بل أن تصل وأنت ما زلت قادرًا على الاستمتاع بما وصلت إليه.

تعليقات
إرسال تعليق