حكايات بيت الشماس والحاج منصور

كتبت /منى منصور السيد


على أطراف حارة ضيقة من أحياء الإسكندرية الشعبية، حيث تتنفس الجدران برائحة البحر والياسمين البلدي، وُلدنا نحن الثلاثة في عام واحد، وكأن القدر أراد أن يربط خيوط حكايتنا قبل أن نعيها. كان بيت أبي الحاج "منصور" متلاصقًا ببيت الشماس عم "فوزي"، ذلك الرجل طيب الملامح هادئ النبرة الذي تعلو وجهه دائمًا ابتسامة صافية. في ذلك العام، جئتُ أنا "منى" إلى الدنيا بعد انتظار طال ستة عشر عامًا، لتكتمل فرحة أختي الكبرى التي كانت تشتاق لأخت بنت تشاركها غرفتها وأسرارها، ولتعم الفرحة أرجاء البيت والممر الضيق بين الديار.

في الوقت نفسه، كان بيت عم "فوزي" يحتفل بمقدم مولوده الثاني "أيمن"، بينما كان الدور الأول من بيت عم "فوزي" نفسه يشهد صرخة المولود الجديد لجارنا عم "عبد العزيز"، الصغير الذي أسموه "عبد المنعم". لم تكن أمهاتنا تبخلن بحليبهن أو حنانهن، فتقاسمن الرضاعة بحب وتلقائية تسري في دماء أهل البلد، لأجد نفسي بين أخوين في الرضاعة: أيمن المسيحي، ومنعم المسلم، وأنا أختهما التي تكبر بينهما وتحتمي بوجودهما.

كبرنا لا نعرف للحدود معنى، ولا نفهم كيف تفصل الحوائط بين البيوت، فقد كانت أبوابنا مفتوحة على مصراعيها طوال النهار. في الأعياد، كانت الحارة تتزين مرتين؛ في عيد الميلاد المجيد نرتدي أجمل ما لدينا ونصعد مع أيمن لنأكل الكعك والحلويات من يد أمه، وفي عيد الفطر نركض جميعًا حول أبي الحاج "منصور" وهو يوزع علينا العيدية، لنبتاع غزل البنات ونمشي على كورنيش البحر والضحكات تسبق خطواتنا. حتى في شهر رمضان، كان أيمن أول من يمسك بالفانوس، ينتظر معنا أذان المغرب ليشاركنا الجلسة على طبليتنا البسيطة، بينما كانت أمي تبعث لبيت عم "فوزي" بأطباق الخير في كل مناسبة.

كنا ننام في بيوت مختلفة حين يغلبنا النعاس، لكن روحنا كانت تسكن مكانًا واحدًا. يعرفنا أهل الحي جميعًا ويشيرون إلينا بفخر: أخت مسلمة لها أخوان في الرضاعة، أحدهما مسيحي والآخر مسلم. لم نكن مجرد جيران، بل كنا شواهد حية على أرض مِصر التي أرضعت الطائفين حبًا وحنانًا، لتصنع من هذا الرباط إخوة تحت سماء وطننا الغالي، تجمعنا الذكريات وتوحدنا المحبة.

يتبع ........

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية