حين يصبح رضا الناس معبودًا خفيًّا الحياء ليس ضعفًا… والدين ليس سجنًا للفتاة

بقلم المؤلفة و الكاتبة و الباحثة حفصة محمود فراج 

المُلَقَّبَةُ ب قاهرة المستحيل


في زمنٍ أصبحت فيه أعين الناس تلاحق كل شيء، وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تُخبرنا كل يومٍ كيف ينبغي أن نبدو، وكيف ينبغي أن نتحدث، وماذا ينبغي أن نرتدي، بل وحتى كيف ينبغي أن نعيش؛ أصبح من السهل أن ينسى الإنسان سؤالًا مهمًّا: هل أعيش كما يرضي الله، أم كما يرضي الناس؟


ولعل الفتاة أكثر من تشعر بهذا الصراع؛ فهي قد تجد نفسها بين صوتٍ يدعوها إلى أن تكون نسخةً مما يريده الآخرون، وصوتٍ آخر في داخلها يقول: كوني أنتِ، ولكن في إطار ما يرضي الله.


وهنا تبدأ الحكاية…


قد تتنازل فتاة عن حيائها حتى لا تُوصَف بأنها مختلفة، وقد تتخلى أخرى عن بعض مبادئها خوفًا من السخرية، وقد تخفي ثالثة طموحها حتى لا تسمع عباراتٍ تُقلل من شأن أحلامها.


ومع الوقت، قد يصبح رضا الناس غايةً لا تنتهي؛ فإذا أعجبوا بها شعرت بالرضا، وإذا انتقدوها انهارت، وإذا مدحوها ارتفعت معنوياتها، وإذا تجاهلوها شعرت أنها بلا قيمة.


وهنا تكمن المشكلة.


حين يصبح تقييم الناس هو المقياس الذي نزن به أنفسنا، فإننا نمنحهم سلطةً أكبر مما ينبغي.


فالناس متغيرون؛ ما يرضي أحدهم قد لا يرضي الآخر، وما يمدحك عليه شخص قد يلومك عليه غيره، ولو جعل الإنسان حياته رهينةً لآراء الناس فلن يصل إلى محطةٍ يشعر فيها بأنه أرضاهم جميعًا.


أما المؤمن، فيعرف أن هناك ميزانًا أعظم من كلام البشر: ميزان رضا الله.


قال تعالى:


﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

[التوبة: 13].


وهذا لا يعني أن الإنسان لا يهتم بكلام الآخرين أو لا يحترم مشاعرهم، بل يعني ألّا يجعل رضاهم فوق رضا الله، وألّا يترك الحق خوفًا من النقد.


الحياء ليس ضعفًا


ومن أكثر الأمور التي تحتاج الفتاة إلى أن تفهمها جيدًا أن الحياء ليس عجزًا، والعفة ليست ضعفًا، والالتزام ليس انغلاقًا.


الحياء خُلُقٌ عظيم، وقد قال النبي ﷺ:


«الحياء لا يأتي إلا بخير».


فالفتاة التي تحافظ على حيائها ليست متأخرة عن عصرها، وليست أقل قدرةً على النجاح، وليست مطالبةً بأن تتخلى عن مبادئها حتى تثبت أنها قوية.


بل إن القوة الحقيقية أن تعرف الإنسانة ما تؤمن به، وأن تتمسك بمبادئها دون أن تسمح لضغط المجتمع بأن يسلبها هويتها.


والدين لا يأتي ليطفئ طموح الفتاة، ولا ليمنعها من التعلم والإبداع والنجاح، وإنما يأتي ليهذب الطريق الذي تسير فيه، ويحفظ لها كرامتها، ويضع لها حدودًا تصونها بدل أن تقيدها.


فالفتاة المسلمة تستطيع أن تكون متعلمة، ومبدعة، وكاتبة، وطبيبة، وباحثة، وناجحة، وصاحبة أثر؛ دون أن تضطر إلى التخلي عن حيائها أو قيمها.


ليس مطلوبًا منكِ أن تختاري بين النجاح والدين؛ بل المطلوب أن تجعلي نجاحكِ منطلقًا من قيمكِ ودينكِ.


لا تجعلي نظرة الناس مرآتك الوحيدة


يا فتاة…


لا تجعلي عدد الإعجابات يخبركِ بقيمتك، ولا تعليقات الناس تحدد جمال روحك، ولا مقارنة نفسك بغيرك تسرق منكِ نعمة الرضا.


فما ترينه من حياة الآخرين ليس بالضرورة حقيقتهم كاملة، وما يظهر على الشاشات ليس إلا جزءًا صغيرًا من حياةٍ أكبر لا تعرفين تفاصيلها.


قد ترين فتاةً تبدو سعيدة، ولا تعرفين كم مرةً قاومت الحزن.


وقد ترين أخرى ناجحة، ولا تعرفين كم تعبت حتى وصلت.


وقد ترين ثالثةً واثقةً من نفسها، ولا تعرفين كم مرةً شكّت في ذاتها قبل أن تصل إلى هذه المرحلة.


لذلك، لا تقيسي حياتكِ بلحظاتٍ مختارة من حياة الآخرين.


أنتِ لستِ مطالبةً بأن تكوني نسخةً من أحد.


لكِ طريقكِ، وظروفكِ، وقدراتكِ، وأحلامكِ، ورحلتكِ الخاصة مع الله.


رسالة إلى كل فتاة تحافظ على جمال قلبها


يا من تحافظين على حيائكِ في زمنٍ يُقال فيه إن الحياء ضعف…


ويا من تتمسكين بعفتكِ في زمنٍ أصبح فيه التنازل عن المبادئ يُسمى تطورًا…


ويا من تحاولين أن تحافظي على نقاء قلبكِ وسط عالمٍ يزدحم بالكلمات والصور والمقارنات…


اثبتي.


ليس لأنكِ أفضل من غيرك، ولا لأنكِ معصومة من الخطأ، ولكن لأنكِ اخترتِ طريقًا ترضين عنه أمام الله.


لا تسمحي لأحدٍ أن يجعلكِ تخجلين من حيائكِ، ولا من أخلاقكِ، ولا من التزامكِ، ولا من أحلامكِ.


كوني رقيقة القلب دون أن تكوني سهلة الكسر، وكوني قوية دون أن تفقدي رحمتكِ، وكوني طموحة دون أن تتخلي عن مبادئكِ، وكوني جميلة الروح قبل أن تهتمي بجمال الصورة.


وإذا أخطأتِ يومًا، فلا تظني أن الخطأ يعني نهاية الطريق؛ عودي إلى الله، وأصلحي ما استطعتِ، وابدئي من جديد.


لا تجعلي هدفكِ أن يصفق لكِ الجميع، فالتصفيق ينتهي، والآراء تتغير، والوجوه تتبدل.


لكن اجعلي لكِ غايةً أسمى:


أن تخرجي من كل مرحلةٍ من حياتكِ وأنتِ أقرب إلى الله، وأنقى قلبًا، وأصدق خُلقًا، وأكثر نفعًا لمن حولكِ.


واعلمي أن أجمل ما يمكن أن تمتلكه الفتاة ليس مظهرًا يلفت الأنظار، ولا إعجابًا يجمعه حسابها، ولا كلمات مدحٍ تسمعها من الناس؛ وإنما قلبٌ يعرف الله، ونفسٌ عزيزة، وحياءٌ يحفظها، وعقلٌ واعٍ، وطموحٌ تسعى به إلى الخير.


فلا تجعلي رضا الناس معبودًا خفيًّا في حياتكِ.


افعلي ما يرضي الله، واحترمي الناس، وكوني رحيمة، واعملي على نفسكِ، وامضي في طريقكِ بثبات.


فليس كل ما يصفق له الناس يستحق أن نفعله، وليس كل ما ينتقده الناس خطأ.


وفي النهاية، سيبقى السؤال الأهم:


حين تسقط كل أصوات الناس من حولكِ، ماذا سيكون بينكِ وبين الله؟


هناك… يبدأ الصدق الحقيقي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني