حين يصبح الطريق إلى الوطن امتحانًا للكرامة.. نداء عاجل لإنقاذ المصريين العالقين على الحدود الليبية


كتبت /منى منصور السيد


المصريين على الحدود الليبية

هناك لحظات لا يحتاج فيها الوطن إلى كثير من الكلمات، بل إلى أن يمد يده. وعلى الحدود الليبية، يقف مصريون في انتظار أن تنتهي رحلة قاسية، لا لأنهم اختاروا البقاء بعيدًا عن بلادهم، وإنما لأن طريق العودة نفسه بات محاصرًا بعقبات وإجراءات وأعباء مالية يقولون إنها تفوق قدرتهم، بينما تتسع المسافة بين عيونهم وأبواب الوطن، ويثقل الانتظار كاهل من أنهكهم السفر والقلق وضيق الحال.



إنها حكاية مواطنين خرجوا من مصر طلبًا للرزق، كما يفعل آلاف المصريين حين تضيق بهم سبل الحياة، فحملوا أحلامهم البسيطة إلى أرض الجوار، وعاد بعضهم اليوم يحمل بدل الحلم رغبة واحدة لا أكثر: أن يصل إلى بيته سالمًا. غير أن هذه الرغبة الإنسانية البسيطة تصطدم، بحسب ما يرويه بعض العالقين، بمطالبات مالية مرتفعة وإجراءات تحول دون قدرتهم على استكمال طريق العودة، لتصبح الحدود التي يفترض أن تكون معبرًا بين بلدين جارين مساحة مفتوحة للخوف والانتظار والعجز.


ولا يمكن النظر إلى هذه الأزمة باعتبارها مجرد مشكلة إدارية عابرة؛ فخلف كل شخص عالق أسرة تنتظر، وأم تترقب اتصالًا، وأب يسأل عن ابنه، وزوجة تحصي الأيام، وأطفال لا يفهمون لماذا طال غياب من خرج ذات يوم بحثًا عن لقمة العيش. وفي الجانب الآخر من الحدود، تتراكم الساعات على أناس لا يملكون ترف الانتظار الطويل، ولا القدرة المالية على مواجهة أعباء جديدة تضاف إلى ما تحملوه أصلًا من مشقة السفر والغربة.


ومن هنا يأتي النداء إلى وزارة الخارجية المصرية، لا باعتباره اتهامًا لأحد، ولا حكمًا مسبقًا على طبيعة الإجراءات أو الرسوم التي يتحدث عنها العالقون، وإنما باعتباره مطالبة مشروعة بالتحقق والتدخل والحماية. فالمطلوب أن تقف الجهات القنصلية المصرية على حقيقة ما يجري ميدانيًا، وأن تستمع مباشرة إلى المواطنين، وأن تتأكد من طبيعة المبالغ التي يُطلب منهم سدادها، والجهة التي تطالب بها، والأساس القانوني لها، وما إذا كانت هناك حلول يمكن من خلالها تخفيف هذه الأعباء أو تجاوزها في الحالات الإنسانية.


وقد أثبتت التجارب السابقة أن التدخل الدبلوماسي المصري قادر على صناعة الفارق حين يتعلق الأمر بمواطنين عالقين أو محتجزين في ليبيا؛ فقد نجحت جهود مصرية في أوقات سابقة في إعادة مواطنين مصريين من ليبيا، من خلال التنسيق مع السلطات الليبية وإنهاء أوراقهم وترتيبات عودتهم إلى أرض الوطن. كما تؤكد وزارة الخارجية استمرار متابعتها لأوضاع المصريين في ليبيا، بما في ذلك ملفات المتغيبين والمحتجزين وإجراءات العودة.


لكن ما يحتاجه العالقون اليوم يتجاوز مجرد متابعة الأوراق؛ إنهم يحتاجون إلى صوت يصل إليهم، وإلى جهة رسمية تقول لهم بوضوح: لسنا بعيدين عنكم. يحتاجون إلى معرفة ما لهم وما عليهم، وإلى طريق قانوني وآمن للعودة، وإلى أن تكون الإجراءات واضحة لا يكتنفها الغموض، وأن تكون أي رسوم مقررة معلنة ومفهومة وقابلة للتحقق، خصوصًا عندما يكون الطرف الآخر مواطنًا فقد القدرة على الاحتمال.


إن الحدود ليست مجرد خطوط مرسومة على الخرائط، والوطن ليس مجرد أرض تبدأ بعد نقطة العبور؛ الوطن معنى يمتد إلى المواطن أينما كان. ولذلك فإن كرامة المصري لا ينبغي أن تتوقف عند بوابة حدودية، ولا ينبغي أن يتحول عجزه عن دفع مبلغ لا يقدر عليه إلى سبب يحول بينه وبين العودة إلى بلده.


ومن حق الدولة، في الوقت نفسه، أن تنظم الدخول والخروج وتحمي حدودها وتحترم القوانين والاتفاقات المنظمة لحركة المواطنين بين الدول، لكن من واجبها كذلك أن تتابع أحوال أبنائها عندما تتحول الإجراءات إلى أزمة إنسانية، وأن تبحث عن المخارج التي تحفظ القانون وتحفظ في الوقت نفسه كرامة الإنسان.


لقد شهد ملف المصريين في ليبيا في سنوات سابقة حالات مؤلمة من الاحتجاز والترحيل والفقدان، كما بذلت الجهات المصرية جهودًا لإعادة مواطنين إلى البلاد ومتابعة أوضاع آخرين. وتؤكد وزارة الخارجية في بياناتها أهمية الالتزام بالقواعد القانونية لدخول الدول، وتحذر من مخاطر عصابات الهجرة والتهريب، وهي تحذيرات تظل ضرورية لحماية المصريين من الوقوع في براثن شبكات تستغل حاجتهم إلى العمل والسفر.


غير أن التحذير من مخاطر الطريق لا ينبغي أن يعني ترك من وجد نفسه بالفعل في مأزق يواجه مصيره وحيدًا. فحين يقف المواطن على الحدود طالبًا العودة، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف نعيده؟ وكيف نضمن سلامته؟ وكيف نزيل من أمامه العقبات التي تحول دون وصوله إلى بيته؟


إننا نرفع هذا النداء إلى وزارة الخارجية المصرية بكل ما يحمله من رجاء ومسؤولية: التدخل العاجل لمتابعة أوضاع المصريين العالقين على الحدود الليبية، والتحقق من حقيقة ما يواجهونه من مطالبات مالية وإجراءات، والتنسيق مع الجانب الليبي لتيسير عودتهم الآمنة، خصوصًا لمن تثبت حاجته الإنسانية وعدم قدرته على تحمل أعباء إضافية.


فالمسألة في جوهرها ليست أرقامًا تُدفع عند معبر، ولا أوراقًا تُختم على مكتب؛ إنها وجوه بشرية أنهكها الانتظار، وأسر مصرية تنتظر أن يفتح لها باب البيت من جديد. وفي مثل هذه اللحظات، يكون أقوى ما يمكن أن تقوله الدولة لمواطنيها هو أن الوطن لا يترك أبناءه خلف الحدود.


نناشد وزارة الخارجية المصرية أن تسمع هذا النداء، وأن تتحرك، وأن يكون طريق العودة إلى مصر طريقًا تحرسه الدولة بالقانون، وتصونه الإنسانية، وتختصر فيه المسافات بين المواطن ووطنه. فحين يطلب المصري العودة إلى أرضه، لا ينبغي أن يكون الوطن هو آخر الأبواب التي تعجز يده عن الوصول إليها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية