تأملات ناصر زاهر العلاج بالموسيقى هندسة الوعي الموسيقي


كتب معالى السفير د. ناصر زاهر

الإنسان ليس جسدا مريضا بل سيمفونية فقدت انسجامها


حين ينظر الطبيب إلى الإنسان يرى أجهزة وأعضاء ووظائف حيوية


وحين ينظر عالم النفس إليه يرى مشاعر وذكريات وصراعات وخبرات


أما حين ينظر إليه المعالج بالموسيقى فإنه يرى شيئا آخر


يرى إيقاعا


لأن الإنسان في حقيقته يعيش بالإيقاع أكثر مما يعيش بالكلمات


القلب ينبض بإيقاع


والتنفس يتحرك بإيقاع


والمخ يعمل بموجات لها إيقاع


والنوم والاستيقاظ يسيران بإيقاع


حتى خطواتنا أثناء المشي ليست إلا إيقاعا يتحرك فوق الأرض


وعندما يختل هذا الإيقاع تبدأ رحلة التعب


قد يبدو الإنسان سليما أمام الجميع لكنه من الداخل يعيش فوضى كاملة


أفكاره تتسابق


مشاعره تتصادم


قراراته تتردد


روحه تبحث عن السكينة فلا تجدها


فيتحول التعب الداخلي مع مرور الوقت إلى قلق أو توتر أو غضب أو اكتئاب أو عزلة أو فقدان للشغف


ولهذا فإن كثيرا من الناس لا يحتاجون إلى أن يسمعوا نصيحة جديدة بقدر ما يحتاجون إلى أن يستعيدوا انسجامهم الداخلي


هنا يظهر الوجه الحقيقي للموسيقى


الموسيقى ليست مجرد نغمات جميلة


إنها نظام


وكل نظام يحمل داخله قدرة على إعادة ترتيب الفوضى


عندما يدخل اللحن الهادئ إلى نفس مضطربة فهو لا يمحو الألم بضغطة واحدة


لكنه يمنح العقل فرصة للتوقف


ويمنح القلب فرصة للهدوء


ويمنح النفس مساحة تسمع فيها نفسها من جديد


وهذا في حد ذاته بداية عظيمة للتغيير


ولذلك فإن المعالج بالموسيقى لا يقدم أغنية لأن كلماتها جميلة


ولا يختار مقطوعة لأنها مشهورة


بل يبحث عن الإيقاع الذي يناسب الحالة النفسية والهدف العلاجي والمرحلة التي يعيشها الإنسان


فقد يحتاج طفل يعاني من تشتت الانتباه إلى إيقاعات واضحة ومتدرجة تساعده على التركيز


وقد يحتاج كبير في السن إلى لحن يرتبط بذكريات آمنة فيوقظ داخله مشاعر الاستقرار والانتماء


وقد يحتاج شخص يعيش ضغطا نفسيا إلى موسيقى تساعده على تهدئة الاستجابة الانفعالية واستعادة قدر من الاتزان


كل حالة لها مفتاحها


ولهذا لا توجد موسيقى تشفي الجميع بالطريقة نفسها


الروح أيضا لها نصيبها من هذه الرحلة


فالروح لا تمرض كما يمرض الجسد


لكنها قد تبتعد عن السكينة


وقد يثقلها الخوف


وقد تغطيها ضوضاء الحياة


وعندما تهدأ النفس يبدأ الإنسان في سماع ذلك الصوت الداخلي الذي غاب عنه طويلا


فيكتشف أن كثيرا مما كان يبحث عنه خارج نفسه كان ينتظره في أعماقه


وهنا تصبح الموسيقى جسرا


ليست هي الغاية


وليست هي المنقذ الوحيد


ولكنها وسيلة رقيقة تساعد الإنسان على أن يعود إلى نفسه


وكلما عاد الإنسان إلى نفسه بصدق أصبح أكثر قدرة على أن يعود إلى ربه وإلى أسرته وإلى عمله وإلى المجتمع بروح أكثر اتزانا


إن أعظم ما يمكن أن تقدمه الموسيقى ليس أن تجعلنا نطرب


بل أن تجعلنا نصغي


نصغي إلى أجسادنا عندما تتعب


ونصغي إلى نفوسنا عندما تتألم


ونصغي إلى أرواحنا عندما تشتاق إلى السكينة


فحين يتعلم الإنسان فن الإصغاء يبدأ أول درس حقيقي في رحلة التعافي


وربما لهذا السبب سيظل العلاج بالموسيقى واحدا من أكثر المجالات الإنسانية عمقا لأنه لا يحاول أن يغير الإنسان بالقوة


بل يساعده على أن يستعيد النغمة التي خلق ليعيش بها


ومن يستعد نغمته الداخلية يستعيد جزءا كبيرا من سلامه حتى وإن بقيت بعض آلامه لأن السلام ليس غياب الألم دائما بل القدرة على العيش معه دون أن يفقد الإنسان إنسانيته



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني