من هرمز إلى المتوسط حين تُرسم خرائط النفوذ بالنار وتدخل مصر قلب المعادلة











متابعة وتحليل /منى منصور السيد

لم تعد المنطقة تقف على حافة الخطر؛ لقد أصبحت تتحرك فوقه. فبين مضيق هرمز الذي يختزن في مياهه واحدًا من أخطر مفاتيح الطاقة العالمية، وشرق المتوسط الذي تتقاطع فوقه حسابات الأمن والنفوذ والتحالفات، تتسع رقعة المواجهة وتتداخل ساحاتها، بينما تتغير قواعد اللعبة الإقليمية تحت ضغط القوة العسكرية والاقتصاد والطاقة والممرات الاستراتيجية.


وفي قراءة تحليلية لتصريحات معالي اللواء سامي محمود دنيا، المحلل العسكري، تبرز صورة أوسع من حدود الأخبار المتداولة؛ صورة لمنطقة تتعدد فيها نقاط الاشتعال، وتتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية، وتتحول فيها الممرات البحرية إلى أوراق ضغط، والطاقة إلى سلاح، والمعلومة إلى ميدان مواجهة، فيما تقف مصر في قلب جغرافيا لا تسمح لها بأن تكون مجرد متفرج على ما يجري.


فما يحدث في هرمز لا يمكن عزله عن الخليج، وما يجري في الخليج لا يمكن فصله عن البحر الأحمر، ولا عن شرق المتوسط، ولا عن غزة والعراق، كما أن هذه الملفات لا يمكن فهمها بمعزل عن التحولات الأوسع في موازين القوى العالمية، من واشنطن وموسكو وبكين إلى طهران وأنقرة وتل أبيب، ومن فنزويلا وأوكرانيا إلى القارة الإفريقية.


إنها لحظة تختبر قدرة الدول على قراءة ما وراء الخبر، لا مجرد متابعة الخبر؛ وعلى التمييز بين ما هو مؤكد وما هو ادعاء، وبين التصعيد المحسوب والانفلات غير المحسوب. ففي الحروب الحديثة لا تتحرك الصواريخ وحدها، وإنما تتحرك معها الروايات والشائعات والمعلومات المضللة، وقد تكون المعركة على الأرض امتدادًا لمعركة أخرى تدور في الفضاء الإعلامي والسياسي والاقتصادي.


ومن هنا تأتي خطورة المشهد الراهن. فالتصعيد الأمريكي الإيراني، وفق ما أوردته التقارير المتداولة، لم يعد مجرد تبادل للتهديدات، بل ارتبط بتقارير عن ضربات مباشرة قرب أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وإذا تحول مضيق هرمز إلى ساحة اضطراب ممتد، فإن التداعيات لن تتوقف عند حدود إيران والولايات المتحدة أو منطقة الخليج، بل يمكن أن تمتد إلى حركة النفط والغاز والشحن والتأمين والأسواق العالمية.


وتزداد حساسية الصورة مع ما أثير حول جزيرة لارك، حيث جاءت الضربة الأمريكية، بحسب الرواية المتداولة، في سياق اتهامات أمريكية باستعداد قوات إيرانية لزرع ألغام بحرية في مضيق هرمز. وإذا ثبتت هذه المعطيات بصورة مستقلة، فإن دلالة الحدث تتجاوز الجزيرة ذاتها؛ لأن زرع الألغام في ممر استراتيجي من شأنه أن يهدد حرية الملاحة ويرفع تكلفة التأمين والشحن ويضع أمن الطاقة العالمي أمام اختبار بالغ الصعوبة.


وفي المقابل، تحدثت تقارير عن رد إيراني بإطلاق صواريخ باتجاه مواقع تضم قوات أمريكية في المنطقة، بينما تداولت مصادر أخرى روايات عن استهداف مواقع وسفن أمريكية، بعضها لم يتأكد بصورة مستقلة حتى الآن. وهنا يجب التوقف أمام قاعدة أساسية في قراءة الحروب: كثرة تداول المعلومة لا تجعلها حقيقة، وتعدد المواقع التي تنقل الرواية نفسها لا يعني تعدد مصادرها. فالمعلومة التي تستند جميع التقارير فيها إلى مصدر واحد تظل رواية واحدة، مهما بلغ عدد مرات إعادة نشرها.


وبين الخليج وشرق المتوسط، ظهرت تقارير عن احتكاك بحري بين قطع تركية وإسرائيلية، بما يضيف إلى المشهد مسرحًا آخر شديد الحساسية. وليس الخطر في وجود أكثر من أزمة فحسب، وإنما في احتمال أن تبدأ هذه الأزمات بالتفاعل، فتنتقل تداعيات أزمة من مسرح إلى آخر، أو تتحول حادثة محدودة إلى سلسلة من الردود المتبادلة.


وهنا تكمن واحدة من أخطر نقاط المشهد: قد لا ترغب أي من القوى الرئيسية في حرب شاملة، لكن غياب الرغبة في الحرب لا يعني استحالة وقوعها. فالاحتكاكات العسكرية، وسوء التقدير، وضغط الرأي العام، وسوء فهم رسائل الردع، أو سقوط خسائر بشرية كبيرة، كلها عوامل يمكن أن تدفع الأطراف إلى خطوات لم تكن تريد الوصول إليها في البداية.


ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس الحرب وحدها، وإنما سوء الحسابات.


وإذا كان السلاح يهدد الأمن، فإن الأسواق تلتقط أولى موجات الخطر. فأي اضطراب حقيقي في هرمز يمكن أن ينعكس على حركة النفط والغاز والشحن والتأمين، ومن ثم على أسعار الطاقة والأسواق والاقتصادات التي تعتمد على استقرار خطوط الإمداد. وهنا تتحول نقطة جغرافية محدودة إلى قضية اقتصادية عالمية، لأن أمن الممرات البحرية لم يعد شأنًا عسكريًا محضًا، وإنما أصبح جزءًا من أمن الاقتصاد الدولي.


وفي ظل تعدد ساحات التوتر، يبرز السؤال الأوسع: هل نحن أمام أزمات منفصلة تتزامن بالصدفة، أم أمام مرحلة تتغير فيها خريطة النفوذ والتحالفات بصورة متسارعة؟


لا توجد أدلة كافية تسمح باختزال جميع هذه الملفات في خطة واحدة أو جهة واحدة، لكن وجود التقاطعات الاستراتيجية بينها يستحق الدراسة. فالشرق الأوسط لم يعد ساحة صراع تقليدية بين دول متجاورة فحسب؛ إنه جزء من منافسة دولية أوسع على الطاقة والممرات والأسواق والتكنولوجيا والموارد ومواقع النفوذ.


وفي قلب هذه التحولات تأتي الولايات المتحدة، التي لا تحتاج بالضرورة إلى خوض كل مواجهة بصورة مباشرة. فالضغط العسكري والاقتصادي، والعقوبات، والتحالفات، والشركاء الإقليميون، والأدوات الدبلوماسية، كلها مكونات يمكن أن تدخل في إدارة الصراع وتحقيق المصالح. لكن اختزال كل أزمة في القرار الأمريكي وحده يظل قراءة ناقصة؛ لأن القوى الإقليمية تمتلك هي الأخرى حساباتها ومصالحها وقدرتها على المناورة.


ومن هنا تأتي أهمية التوقيت. فالتحركات العسكرية لا تجري في فراغ، والتحركات الدبلوماسية ليست مجرد بروتوكول، والزيارات رفيعة المستوى في لحظات التوتر قد تحمل رسائل تتجاوز ما يعلن أمام الكاميرات. الشرق الأوسط يعيش بالفعل مرحلة إعادة تموضع استراتيجية، لكن حجم هذا التحول ومداه النهائي لا يزالان مفتوحين على أكثر من احتمال.


وفي قلب هذه الجغرافيا تقف مصر، لا باعتبارها دولة تراقب المشهد من بعيد، وإنما باعتبارها دولة تقع عند تقاطع عدد من أهم خطوطه الاستراتيجية.


فأمن البحر الأحمر يمس الأمن المصري، وأمن البحر المتوسط يمس الأمن المصري، واستقرار الخليج وحركة الملاحة يمسان المصالح المصرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما أن قناة السويس تجعل مصر طرفًا أساسيًا في معادلة التجارة والممرات البحرية العالمية.


وتتجمع في الموقع المصري أوراق يصعب تجاهلها: قناة السويس، والبحر الأحمر، والبحر المتوسط، والربط بين إفريقيا وآسيا وأوروبا، والموانئ والمناطق اللوجستية، وملفات الطاقة والغاز، والسوق المصرية، والثقل السياسي والعسكري، والامتداد العربي والإفريقي.


هذه العناصر لا تجعل مصر قوة عظمى بالمفهوم التقليدي، لكنها تمنحها قيمة استراتيجية يمكن تعظيمها. فالقوة ليست دائمًا في حجم ما تمتلكه الدولة، وإنما في قدرتها على تحويل ما تمتلكه إلى مصالح ونفوذ وشراكات وأمن قومي.


ولهذا تبرز أهمية تنويع الشراكات المصرية وعدم الارتهان لمحور واحد. فالعالم يتحرك نحو بيئة أكثر تعددًا في مراكز القوة، والدولة التي توسع خياراتها تستطيع أن تحافظ على هامش أكبر من الاستقلال في القرار والمناورة.


لكن الموقع الخارجي مهما بلغت قيمته لا يستطيع أن يعوض نقاط الضعف الداخلية.


وهنا تصبح إفريقيا جزءًا أساسيًا من الرؤية المصرية. فالقارة ليست مجرد سوق مستقبلية، وإنما فضاء غني بالموارد الطبيعية والموانئ والممرات والمواقع الاستراتيجية والأسواق المتنامية. ولذلك فإن الحضور المصري فيها يحتاج إلى أن يتجاوز التعاون السياسي إلى استثمارات حقيقية، وتصنيع مشترك، ومشروعات زراعية، وطاقة وكهرباء، وطرق وموانئ ولوجستيات، وتكنولوجيا ونقل معرفة.


فالدولة التي تستثمر في إفريقيا اليوم قد تمتلك غدًا نفوذًا اقتصاديًا أكبر، لأن النفوذ المستدام لا يصنعه الخطاب وحده، وإنما تصنعه المصالح المتبادلة والمشروعات التي تترك أثرًا على الأرض.


لكن الحديث عن القوة الخارجية لا ينبغي أن يحجب المشكلات الداخلية. فدخل المواطن وأسعار المعيشة قضية لا تحتاج إلى تبرير إعلامي بقدر ما تحتاج إلى حلول عملية. المواطن ينظر إلى راتبه ومعاشه وقدرته على تحمل تكاليف الكهرباء والمياه والغاز والمواصلات والتعليم والغذاء والدواء، وهذه هي النقطة التي عندها تتحول المؤشرات الاقتصادية من أرقام إلى حياة يومية.


وفي ملف التعليم والثانوية العامة، فإن التطوير مطلوب، لكن الاستقرار لا يقل أهمية عن التطوير. الطالب المصري لا ينبغي أن يتحول إلى حقل تجارب مستمر بسبب تغييرات متكررة في النظام. المطلوب مناهج قوية، ونظام مستقر، وامتحانات عادلة، ومنع الغش، ووضوح كامل أمام الطالب وولي الأمر.


أما المعاشات والأجور، فإن أي نمو اقتصادي حقيقي يجب أن يجد طريقه في النهاية إلى المواطن. وإلا بقيت أرقام النمو والاستثمار منفصلة عن شعور الناس بواقعهم المعيشي.


وفي الإدارة الحكومية، هناك ملفات لا تحتاج إلى سنوات من الدراسات واللجان بقدر ما تحتاج إلى قرار إداري واضح، ومسؤولية محددة، وتنفيذ قابل للقياس.


ومن هنا يمكن أن يتحول مؤتمر أكتوبر إلى فرصة حقيقية إذا تجاوز حدود المنصة والخطاب إلى المصارحة والتنفيذ: أرقام حقيقية، وتشخيص صريح للمشكلات، ومسؤولية واضحة، وجدول زمني للحلول، وقياس دوري للنتائج. والأهم أن يكون السؤال: ماذا أنجزنا؟ وماذا أخطأنا؟ وكيف سنصحح الخطأ؟


فالاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، وإنما أحد شروط الدولة القادرة على تطوير نفسها.


وفي الوقت نفسه، لا يجوز للمصريين الوقوع بين تطرفين: تطبيل يلغي النقد، أو تشاؤم يهدم كل إنجاز. فالحقيقة أكثر تعقيدًا. هناك مشروعات وبنية أساسية ومكاسب استراتيجية، وفي المقابل توجد ضغوط اقتصادية وأخطاء إدارية وملفات تحتاج إلى إصلاح عاجل.


الدولة القوية ليست التي تنكر مشكلاتها، بل التي تمتلك شجاعة الاعتراف بها وقدرة علاجها.


وفي المشهد العالمي الأوسع، تبدو فنزويلا وإيران وأوكرانيا والصين وإفريقيا خيوطًا متشابكة في صراع أكبر على النفوذ والثروات والممرات. فملف النفط الفنزويلي لا ينبغي قراءته بعيدًا عن سوق الطاقة العالمي، مع ضرورة التمييز بين التصريحات السياسية والاستثمارات الفعلية وحصص الشركات وما يجري تنفيذه على الأرض.


أما إيران، فإن هرمز يمنحها ورقة استراتيجية ذات وزن عالمي، ولهذا فإن استمرار التفاوض بالتوازي مع الضغط العسكري والاقتصادي يعكس أن المسألة لا تتعلق بالحرب وحدها، وإنما بما سيكون عليه النظام الإقليمي بعد الأزمة.


وأوكرانيا لم تعد مجرد حرب حدودية، بل أصبحت جزءًا من إعادة تشكيل العلاقة بين روسيا وأوروبا والولايات المتحدة والصين، وأي تسوية مستقبلية ستتداخل فيها اعتبارات الأمن والاقتصاد والطاقة والنفوذ والترتيبات طويلة المدى.


أما الصين، فإنها تميل إلى بناء نفوذها عبر التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والممرات اللوجستية، ولهذا فإن قوة بكين الحقيقية لا تُقاس بالتصريحات وحدها، وإنما بما توقعه وتنفذه وتبنيه على الأرض.


وهنا تعود إفريقيا إلى مركز الاهتمام المصري، لأن المنافسة القادمة لن تكون فقط على السياسة، وإنما على الموانئ والطرق والطاقة والموارد وسلاسل الإمداد والأسواق والتكنولوجيا.


وفي عالم كهذا، يصبح الاقتصاد جزءًا من الأمن القومي، وتصبح الموانئ جزءًا من القوة، وتصبح التكنولوجيا جزءًا من السيادة، وتصبح الممرات البحرية أوراقًا استراتيجية.


لكن يبقى الإنسان هو نقطة البداية والنهاية.


فالدولة التي تريد نفوذًا خارجيًا مستدامًا تحتاج إلى اقتصاد منتج، ومؤسسات فعالة، وتعليم مستقر، وإدارة قادرة على التنفيذ، ومواطن يشعر بأن ما تبنيه الدولة ينعكس على حياته.


ولهذا فإن المعادلة المصرية مزدوجة: تثبيت الموقع الخارجي، وإصلاح البيت الداخلي.


لا تستطيع مصر أن تتجاهل موقعها، ولا أن تنسحب من دوائرها العربية والإفريقية والدولية، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع أن تجعل السياسة الخارجية بديلًا عن الإصلاح الاقتصادي والإداري والاجتماعي.


فالنفوذ الخارجي لا يكتمل إلا باقتصاد قوي، والموقع الاستراتيجي لا يتحول إلى قوة فعلية إلا عندما تسنده دولة قادرة ومجتمع متماسك ومواطن يرى ثمار التنمية.


ومن هنا يجب التعامل مع التطورات الحالية بعقل بارد في زمن ساخن. لا كل خبر حقيقة، ولا كل رواية كذب، ولا كل تصعيد يعني حربًا شاملة. المطلوب هو التحقق والمقارنة ومراقبة المؤشرات، لأن المستقبل لا يُقرأ من عنوان واحد، وإنما من اتجاهات تتراكم.


والمنطقة أمام عدة مفاتيح اشتعال في الوقت نفسه: هرمز، الخليج، العراق، شرق المتوسط، غزة، والبحر الأحمر. وقد تبقى هذه الملفات منفصلة، وقد تتفاعل، وقد تشهد بعضها تهدئة مؤقتة أو تفاوضًا، وقد يؤدي حادث كبير إلى رفع مستوى التصعيد بصورة مفاجئة.


ولهذا فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب قد يكون استمرار التصعيد المحسوب والضغط المتبادل مع بقاء قنوات التفاوض، بينما يظل سيناريو التصعيد الأوسع ممكنًا إذا وقعت ضربة كبيرة أو تعرضت الملاحة لهجوم واسع أو حدثت خسائر بشرية تدفع أحد الأطراف إلى رد أكبر.


أما السيناريو الأخطر، والأقل احتمالًا، فهو سلسلة من الأخطاء وسوء التقدير تؤدي إلى تداخل عدة جبهات في وقت واحد، بما يجعل احتواء الأزمة أكثر صعوبة.


والمؤشرات التي تستحق المتابعة ليست فقط البيانات السياسية، وإنما حركة القوات في هرمز، وحركة الملاحة، ومستوى الاستهداف المتبادل، والاحتكاكات البحرية في شرق المتوسط، والتحركات الدبلوماسية، وأسعار الطاقة والتأمين والشحن، ومواقف القوى الكبرى والإقليمية.


ففي النهاية، لا تعيد الصواريخ وحدها تشكيل العالم. الموانئ تفعل، والممرات تفعل، والطاقة تفعل، والتكنولوجيا تفعل، والاستثمارات تفعل، والتحالفات تفعل.


ومن يقرأ الأحداث كأخبار منفصلة، يفقد الصورة الأكبر.


الصورة الأكبر تقول إن العالم يدخل مرحلة تتداخل فيها الجغرافيا بالاقتصاد، والقوة العسكرية بالطاقة، والسياسة بالتكنولوجيا، والممرات البحرية بالنفوذ. وفي هذه البيئة لا تكون الدولة الأقوى بالضرورة هي صاحبة أكبر ترسانة، وإنما الدولة التي تعرف كيف تحول موقعها ومواردها وشراكاتها وقدراتها إلى قوة متكاملة.


ومصر تمتلك من عناصر الموقع ما يجعلها قادرة على لعب دور مؤثر، لكن الحفاظ على هذا الدور يحتاج إلى يقظة استراتيجية وإدارة اقتصادية أكثر كفاءة وإصلاح داخلي مستمر، لأن الدولة التي تريد أن تصنع الأحداث في الخارج لا بد أن تكون قادرة على إدارة تحدياتها في الداخل.


لا نريد لمصر أن تعيش على ردود الأفعال؛ نريدها دولة تصنع الأحداث، وتستثمر موقعها، وتدافع عن مصالحها، وتزيد إنتاجها، وتبني إنسانها.


ولا نريد وطنية عمياء ترى النجاح في كل شيء، ولا سوداوية عمياء ترى الفشل في كل شيء. نريد عقلًا يرى المشهد كاملًا؛ يعرف أين نجحنا، وأين أخطأنا، وأين يجب أن نتحرك.


فحب الوطن لا يعني أن نصمت عن الخطأ، كما أن نقد الخطأ لا يعني أن نهدم الوطن.


ومصر اليوم أمام لحظة لا تسمح بالانفعال ولا بالاستسلام. موقعها الجغرافي يفرض عليها أن تكون يقظة، وثقلها السياسي والعسكري يمنحها أوراقًا، وعمقها العربي والإفريقي يفتح أمامها دوائر حركة واسعة، لكن المستقبل سيظل مرتبطًا بقدرتها على تحويل هذه الأوراق إلى قوة اقتصادية واستراتيجية يشعر المواطن بثمارها.


العالم يتحرك، والخرائط تتغير، والممرات تتحول إلى ساحات نفوذ، والطاقة تصبح أداة ضغط، والمعلومة تصبح سلاحًا، والتحالفات يعاد تشكيلها.


وفي قلب هذه الحركة تقف مصر.


لا كدولة تنتظر ما يقرره الآخرون، ولا كساحة تقبل أن تُرسم حدود دورها من خارجها، وإنما كدولة عليها أن تعرف قيمة موقعها، وتدافع عن مصالحها، وتوسع شراكاتها، وتستثمر في إفريقيا، وتحمي ممراتها، وتقوي اقتصادها، وتصلح مؤسساتها، وتبني إنسانها.


ففي زمن تُرسم فيه خرائط النفوذ بالنار، لا يكفي أن نراقب النار؛ يجب أن نعرف أين تبدأ، ومن أين تأتي، وإلى أين يمكن أن تمتد، وكيف نحمي وطننا من شرارتها، وكيف نحول موقعنا في قلب العاصفة إلى مصدر قوة لا إلى نقطة ضعف.


وتلك هي المعركة الحقيقية: أن تبقى مصر صاحبة قرارها، قوية بمؤسساتها، مستقرة بوعي شعبها، قادرة على حماية مصالحها، ومؤهلة لأن تكون شريكًا في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.


حفظ الله مصر وشعبها وجيشها ومؤسساتها، وكتب لها الأمن والاستقرار والرخاء، وحفظ شعوب المنطقة من ويلات الفوضى والصراعات.


والله من وراء القصد، والله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين.


والحمد لله رب العالمين.


﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

المهندس مصطفى ناجي... الشجاعة في مواجهة التطرف وخدمة الناس

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية