دقيقة تصنع أمة... وضمير يبني حضارة

الكاتب /أحمد مختار
قد تبدو الدقيقة شيئًا بسيطًا في حياة الإنسان، لكن الأمم لا تُبنى بالدقائق وحدها، بل بما يصاحبها من ضمير حي، وإتقان في العمل، واحترام للقانون. فبين أمة تتقدم وأخرى تتأخر، لا يكون الفارق في الثروات الطبيعية، ولا في عدد السكان، ولا في التكنولوجيا وحدها، وإنما في ثقافة تحترم الوقت، وتقدس العمل، وتجعل الجودة والإخلاص أسلوبًا للحياة. فالدقيقة تصنع الإنجاز، والضمير يبني الحضارة.
ونحن المسلمين أولى الناس باحترام الوقت؛ لأن ديننا جعل الزمن جزءًا من العبادة، وربط الصلاة بأوقات محددة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، وقال النبي ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». فإذا كان المسلم يحافظ على وقت عبادته، فمن باب أولى أن يحافظ على وقت عمله؛ لأن العمل عبادة وأمانة.
ومن خلال أكثر من عشرين عامًا من العمل في مشروعات دولية داخل المملكة العربية السعودية ومصر، أدركت أن احترام الوقت ليس شعارًا، بل ثقافة تصنع النجاح. فقد عملت مع مهندسين وخبراء من أوروبا وأستراليا وأمريكا، فوجدت أن الاجتماعات تبدأ في موعدها، والعمل ينطلق في ساعته المحددة، ومن يتأخر هو الذي يعتذر؛ لأنهم يدركون أن دقائق التأخير تتحول إلى خسائر كبيرة. كما عملت مع الصينيين والفلبينيين، فوجدت لديهم انضباطًا لافتًا؛ يعملون ساعات طويلة ثم يعودون في اليوم التالي في موعدهم، وكأن الالتزام جزء من شخصيتهم المهنية.
وفي المقابل، ومع كامل الاحترام لجميع الجنسيات، لاحظت خلال سنوات عملي أن بعض العاملين من مجتمعاتنا العربية، وكذلك بعض الباكستانيين والهنود، يعانون من ضعف الالتزام بالمواعيد، إلا من رحم الله. ولا أقصد التعميم، فكل أمة فيها المجتهد والمقصر، لكن التجربة تؤكد أن المجتمعات التي احترمت الوقت استطاعت أن تبني اقتصادًا قويًا ومؤسسات ناجحة.
ولعل هذا يفسر ارتباط صورة العالم الأول بالتقدم؛ فالقضية ليست العلم والتكنولوجيا فقط، بل احترام الوقت، وجودة العمل، والانضباط، والضمير المهني، والرقابة، والمحاسبة. ولهذا نجحت المكاتب الاستشارية الدولية؛ لأنها لم تعتمد على الخبرة الفنية وحدها، بل على أنظمة صارمة للجودة، وإدارة المخاطر، والمراجعة المستمرة، بما يضمن جودة التنفيذ واستقلالية القرار الفني.
كما أن نجاح هذه المنظومة يحتاج إلى دولة قوية تفرض سيادة القانون وتحارب الفساد. وقد لمست ذلك في المملكة العربية السعودية من خلال الدور الفاعل للجهات الرقابية في تعزيز النزاهة والشفافية، وهو ما انعكس على جودة تنفيذ المشروعات. وفي مصر، كان للهيئة الهندسية للقوات المسلحة دور بارز في الإشراف على العديد من مشروعات الطرق والبنية التحتية، من خلال منظومة تعتمد على التخطيط والانضباط والمتابعة المستمرة، مما أسهم في إنجاز مشروعات كبرى بجودة عالية وفي مدد زمنية قياسية.
إن المشكلة ليست في عدد ساعات العمل، بل في احترام المسؤولية. فالموظف الذي يلتزم بموعده يحترم زملاءه ومؤسسته، بينما يؤدي التأخير إلى تعطيل الأعمال وزيادة التكاليف وإضعاف الإنتاجية.
غير أن احترام الوقت وحده لا يكفي، فهناك قيم لا تقل أهمية، في مقدمتها الضمير المهني، والجودة، والإتقان، والخوف من الله، واحترام القانون. فالموظف المخلص لا يعمل بإتقان لأن مديره يراقبه فقط، بل لأنه يعلم أن الله مطلع على عمله. أما غير المسلم، فكثيرًا ما يستند إلى ضمير مهني راسخ واحترام للقانون، حيث تقابل الأخطاء بالمحاسبة والعقوبات. أما المسلم، فقد جمع الله له بين رقابة السماء ورقابة الأرض، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، وقال النبي ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه».
وعندما يجتمع الضمير المهني مع الجودة، والخوف من الله، واحترام القانون، يصبح النجاح نتيجة طبيعية، لأن الأمم لا تنهض بالمباني وحدها، بل بالإنسان الذي يؤدي عمله بإخلاص.
وللأسف، يظن بعض الناس أن الوظيفة مجرد وسيلة للحصول على راتب، بينما الحقيقة أنها عقد وأمانة. فالراتب مقابل وقت وجهد وإنتاج، وسيُسأل كل إنسان أمام الله عن عمله، وهل أدى الأمانة كما ينبغي.
إن احترام الوقت، والجودة، والرقابة، والمحاسبة، ليست شعارات، بل منظومة متكاملة. فإذا اجتمعت تقدمت الدول، وإذا غابت تأخرت مهما امتلكت من موارد أو ثروات.
فاحترام الوقت ليس عادة غربية نقلدها، بل خلق إسلامي أصيل، والضمير المهني ليس خيارًا، بل أساس كل نجاح. وإذا أردنا أن نستعيد مكانتنا بين الأمم، فلنبدأ بأن نحترم مواعيدنا، ونتقن أعمالنا، ونؤدي الأمانة بإخلاص، ونراقب الله قبل أن نراقب الناس؛ لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
فالدقيقة تصنع أمة... والضمير يبني حضارة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يُعاد صياغة الوعي بالهوية المصرية بمدارس اليونسكو؟

الذكاء الاصطناعي من خيال الروايات إلى "فأس" السيادة الرقمية

رسائل القلب.. حين يتحول الكولاج إلى مرآة للروح في أعمال رانيا هاني